أفاد التقرير الأسبوعي للاستيطان الصادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان بأن موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية لم يعد يقتصر على اعتداءات المستوطنين على المزارعين ومحاصيلهم، بل أصبح جزءاً من معركة أوسع تستهدف الأرض الفلسطينية، تتداخل فيها السياسات العسكرية والاستعمارية مع الخطابات الدينية والأمنية بهدف تقييد وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم والاستيلاء عليها.
ووفقاً للتقرير، تم توثيق أكثر من 500 اعتداء نفذها مستوطنون وجنود الاحتلال منذ بداية الموسم وحتى نهاية الشهر الجاري، استهدفت نحو 200 تجمع فلسطيني، وتركزت بشكل خاص في محافظات جنين ونابلس وسلفيت ورام الله. كما مُنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم وقطف محاصيلهم في عشرات المواقع، فيما سُجلت أكثر من 150 حالة سرقة لمحصول الزيتون.
وأشار التقرير إلى أن محافظة نابلس تصدرت المحافظات من حيث عدد اعتداءات المستوطنين، والتي شملت تخريب الأشجار وسرقة المحاصيل، ما أدى إلى حرمان مزارعي عشرات القرى من جني محصولهم وإخراج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج الفعلي.
كما تناول التقرير الفتوى التي أصدرها الحاخام الإسرائيلي دوف ليئور في 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، والتي أباح بموجبها للمستوطنين قطف الزيتون من الأراضي الفلسطينية، استناداً إلى تفسيرات دينية تدعي ملكية اليهود لهذه الأراضي، معتبراً أن الاستيلاء على المحاصيل الفلسطينية يدخل في إطار ما وصفه بـ"احتلال الأرض".
وأوضح أن هذه الفتوى تأتي ضمن سلسلة من المواقف والفتاوى الصادرة عن حاخامات إسرائيليين، والتي شرعنت الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين ومحاصيلهم الزراعية، ومن أبرزها كتاب "عقيدة الملك" للحاخامين يتسحاق شابيرا ويوسف إيليتسور، الذي تضمّن تبريرات دينية للاستحواذ على ممتلكات غير اليهود خلال أوقات النزاع.
وبيّن التقرير أن تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية تشير إلى تراجع إنتاج زيت الزيتون هذا الموسم إلى ما بين 10 و11 ألف طن، مقارنة بالتقديرات الأولية التي بلغت نحو 21 ألف طن، نتيجة اعتداءات المستوطنين ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، خاصة الواقعة خلف الجدار وفي محيط المستوطنات. كما يُخشى فقدان محصول ما يقارب نصف المساحات المزروعة في بعض المحافظات.
وأضاف أن قرار جيش الاحتلال منع المزارعين من دخول ما يُعرف بـ"أراضي الدولة" لقطف الزيتون، للمرة الأولى، بالتزامن مع فرض التنسيق المسبق للوصول إلى الأراضي الخاصة، يشكل تصعيداً جديداً يزيد من معاناة المزارعين الفلسطينيين.
ولفت التقرير إلى تنامي خطاب بين المستوطنين يعتبر قطف الفلسطينيين للزيتون شكلاً من أشكال "التحريض"، وهو خطاب تبناه مسؤولون في حكومة الاحتلال وجيشه لتبرير القيود المفروضة على المزارعين والمتضامنين الأجانب. كما أشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى تحول في طريقة التعامل مع المتضامنين الرافضين لعنف المستوطنين، إذ أصبحوا يُوصَفون بـ"الفوضويين" في الوقت الذي تستمر فيه الاعتداءات على قاطفي الزيتون.
وأكد التقرير أن الخسائر لا تقتصر على ضياع المحصول أو عدم قطفه، بل تشمل أيضاً سرقة كميات كبيرة من الثمار وعصرها داخل معاصر أقيمت في المستوطنات وتسويقها على أنها منتجات إسرائيلية. وبحسب التقديرات، تجاوزت الخسائر المباشرة المتراكمة لقطاع الزيتون، الناتجة عن تدمير الأشجار ومنع الوصول إلى الأراضي منذ عام 2023، أكثر من 157 مليون دولار.
تصعيد استيطاني متواصل في الضفة الغربية
وفي ما يتعلق بالنشاط الاستيطاني، أشار التقرير إلى قيام قوات الاحتلال بإحضار بيوت متنقلة (كرفانات) إلى معسكر صانور جنوب جنين، بالتزامن مع أعمال تجريف مستمرة في الموقع، في خطوة تثير مخاوف من إعادة استغلال المنطقة لأغراض استيطانية وعسكرية، بما يعزز السيطرة على الأراضي الفلسطينية ويؤدي إلى تقطيع أوصال المحافظة وعزل تجمعاتها السكانية عن بعضها البعض.
ويأتي ذلك بعد مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت) في 15 تموز/يوليو الماضي على إنشاء مستوطنة جديدة بمحاذاة مستوطنة "صانور" السابقة تحت اسم "صانور الشرقية".
كما رصد التقرير إقامة بؤرتين استيطانيتين جديدتين الأسبوع الماضي، الأولى في الجفتلك شمال أريحا، والثانية عند المدخل الشمالي لمدينة البيرة، في إطار محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني.
وفي محافظة الخليل، أقام المستوطنون بؤرتين إضافيتين ونفذوا أعمال تجريف وتخريب لمصادر المياه التي تغذي تجمعات بدوية، بينما شرعوا في إقامة بؤرة استيطانية بمنطقة خلة الفرا غرب يطا، وأخرى في بادية يطا بين قريتي الزويدين وأم قصة، شملت إنشاء بنى تحتية وخدمات أساسية تمهيداً لتوسيع الوجود الاستيطاني.
كما تواصل عمليات تجريف الأراضي في منطقتي خلة الفرا ومراح الربية جنوب الخليل ضمن مخططات تهدف إلى إحكام السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية، في وقت يتعرض فيه تجمع "أم الخير" البدوي لسلسلة متصاعدة من اعتداءات المستوطنين القادمين من مستوطنة "كرمئيل" والبؤر المجاورة لها.
وفي القدس المحتلة، أوضح التقرير أن المخططات الاستيطانية لم تعد تقتصر على بناء وحدات سكنية جديدة، بل امتدت إلى إعادة تشكيل المشهد الجغرافي والديمغرافي للمدينة وعزل أحيائها الفلسطينية عن بعضها البعض، بما يهدد الوجود الفلسطيني ويؤثر في محيط المسجد الأقصى المبارك.
ومن أبرز هذه المخططات مشروع إقامة 122 وحدة استيطانية في منطقة كرم المفتي بحي الشيخ جراح، والذي يهدف إلى فصل شمال القدس عن بلدتها القديمة ومحيطها الجنوبي، في خطوة وصفتها جمعية "عير عميم" الإسرائيلية بأنها أول مشروع استيطاني تدفع به الحركة الاستيطانية في القدس بعد عقود من التركيز على التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
كما أشار التقرير إلى رسالة وجهها مسؤولون سابقون في المنظومة الأمنية الإسرائيلية إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، طالبوا فيها بتصنيف مجموعة "فتية التلال" تنظيماً إرهابياً ووقف الدعم الحكومي المقدم لها، محذرين من أن اعتداءاتها المتواصلة تهدف إلى بث الرعب بين الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم ومصادر رزقهم. وأوضحت الرسالة أن المجموعة نفذت نحو 13 ألف اعتداء منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى مطلع الشهر الجاري، ما أسفر عن استشهاد 66 فلسطينياً.
وتضمن التقرير كذلك توثيقاً واسعاً للانتهاكات الأسبوعية التي شهدتها محافظات القدس والخليل وبيت لحم ورام الله ونابلس وسلفيت وجنين والأغوار، والتي شملت الاعتداء على المزارعين، وسرقة المحاصيل، وتجريف الأراضي، ومصادرة الممتلكات، وهدم المنازل والمنشآت الزراعية، إضافة إلى إقامة بؤر استيطانية جديدة وتوسيع القائم منها.
