يخطئ كثيرون حين يعتقدون أن مقاس الحذاء الذي ارتدوه في سنوات الشباب سيبقى كما هو طوال العمر، غير أن الدراسات الطبية والخبراء المتخصصين يؤكدون أن هذا الاعتقاد بعيد عن الصواب، وأن تجاهل تغيّر حجم القدم قد يقود إلى معاناة مستمرة من الآلام والتشوهات.
أشار الدكتور روك بوزيتانو، طبيب الأقدام في مستشفى الجراحة الخاصة بنيويورك، إلى أن من النادر جداً أن يظل مقاس حذاء الشخص واحداً من سن العشرين إلى الخمسين، مؤكداً أن الاعتقاد بثبات حجم القدم يعتبر من أكثر المفاهيم الطبية الخاطئة انتشاراً. وبحسب الدراسات الطبية، فإن الغالبية العظمى من الناس يرتدون أحذية لا تناسب أقدامهم الفعلية، مما يسبب معاناة يومية مستمرة.
أظهرت دراسة شملت 356 امرأة أن معظمهن كنّ يرتدين أحذية أصغر من حجم أقدامهن الفعلي، مع ملاحظة زيادة واضحة في مقاسات أقدامهن مقارنة بسنوات الشباب. وأطلق الخبراء على هذه الظاهرة تسمية "عقدة سندريلا"، وهي تعني حشر قدم أكبر في حذاء أصغر منها، وهذا السلوك قد ينتهي به الحال إلى آلام شديدة وتشوهات جسدية دائمة.
بينت الدراسات أن النساء اللائي يرتدين أحذية ضيقة وغير ملائمة يعانين من تشوهات وآلام في القدم تؤثر سلباً على جودة حياتهن بشكل كبير. وحذّر بوزيتانو من أن آلام القدم والكاحل، رغم أنها لا تهدد الحياة مباشرة، إلا أنها تهدد جودة الحياة بشكل حقيقي، إذ تمنع ممارسة الرياضة والمشي والأنشطة الاجتماعية الطبيعية.
لتغيّر حجم القدم أسباب متعددة ومتنوعة. تؤدي زيادة الوزن إلى تغيير شكل الأنسجة العضلية والأوتار والأربطة لاستيعاب الوزن الإضافي. كما يلعب الحمل دوراً مهماً، حيث تفرز المرأة هرمون "ريلاكسين" في الأشهر الأولى من الحمل، وهذا الهرمون يعمل على ارتخاء الأربطة في الحوض لتسهيل الولادة، لكنه يؤثر أيضاً على أربطة القدم مما قد يزيد المقاس بدرجة أو درجتين بشكل دائم.
مع التقدم الطبيعي في السن، خاصة بعد تجاوز سن الخمسين، تزداد مخاطر الإصابة بمشاكل صحية متعددة تؤثر على القدمين مثل التهابات اللفافة الأخمصية والأورام العظمية وتفلطح أقواس القدم وأصابع القدم المطرقية. غير أن الأسباب لا تقتصر على العوامل البيولوجية وحدها، بل تلعب اختيارات الأحذية دوراً كبيراً أيضاً.
الكعب العالي والأحذية الضيقة تدفع الوزن إلى الأمام وتضغط أصابع القدم بوضعيات غير طبيعية، مما قد يسبب تشوهات هيكلية دائمة مع مرور الوقت. هذه المشاكل لا تقتصر على القدم فقط، بل تمتد الآلام إلى الركبتين والورك وأسفل الظهر، وارتداء المقاس الخاطئ لا يسبب هذه الآلام فحسب بل يفاقمها ويساهم في استمرارها وتطورها المستمر.
لتجنب هذه المعاناة، يوصي الخبراء باتباع عدة إرشادات عملية عند شراء الأحذية. ينبغي قياس القدمين بعد الظهيرة حين تكونان في أقصى حالات التورم نتيجة المشي والوقوف خلال النهار. كما يجب الوقوف أثناء القياس ووضع الوزن كاملاً على القدمين للحصول على قراءة دقيقة. من الضروري أيضاً مراعاة أن إحدى القدمين غالباً ما تكون أكبر من الأخرى، لذا يجب اختيار المقاس المناسب للقدم الأكبر.
ينبغي ترك مسافة تعادل عرض الإبهام تقريباً بين أطول أصبع ومقدمة الحذاء، مع التأكد من أن موضع مشط القدم يتطابق مع أوسع منطقة في نعل الحذاء. ينفي بوزيتانو الأسطورة الشائعة حول إمكانية تليين الحذاء مع الوقت والاستخدام، مؤكداً أن مقاس الحذاء يجب أن يكون مريحاً في القوس والكعب ومقدمة القدم منذ اللحظة الأولى، وأنه لا يوجد ما يدعى "تكييف الحذاء" مع الزمن.
خلص الخبراء إلى أن القدم تتغير باستمرار والمقاس الذي يناسبك اليوم قد لا يصلح غداً. تجاهل هذه الحقيقة قد يكلفك الكثير من الألم والمعاناة على المدى البعيد. العناية باختيار الحذاء المناسب ليست رفاهية بل ضرورة صحية حقيقية تؤثر بشكل مباشر في جودة حياتك اليومية ومستوى نشاطك وحركتك.
