بين وعود لا تتحقق ونتائج لا تُقاس.. عامر بدران

بين وعود لا تتحقق ونتائج لا تُقاس.. عامر بدران

2026 May,03

الذين يملكون ذاكرة أطول بكثير من ذاكرة السمكة يستطيعون، دون جهد، أن يتذكّروا كيف بدأ النظام السوري، وأقصد هنا الدولة السورية في عهد آل الأسد، بتبنّي حركات «المقاومة» والإشادة بها، ثم شيئاً فشيئاً كيف وضع نفسه من ضمنها، وكيف استطاع في أوقات لاحقة أن يصدّر خطاباً يضعه على رأس هذه الحركات كقيادة لمحور كامل يُطلق عليه مسمى «الممانعة والمقاومة».

أما الذين يملكون ذاكرة أطول قليلاً أو شبيهة بذاكرة السمكة فإنهم قادرون، لو أرادوا، على تذكّر كيف بدأت إيران بالتسلل إلى هذا المصطلح، وكيف استغنت عن الكلمة الأولى فيه، أي كلمة الممانعة، (ربما لأنه لم يكن مطلوباً منها ما تمتنع عنه)، ثم استطاعت أن تُحكم قبضتها عليه وتقوم بتغييره إلى «محور المقاومة» وأن تجلس على قمته كقائد وممول ومظلّة جامعة.
لكن دعونا نتجاوز موضوع الذاكرة إلى سؤال لا يمكن القفز فوقه: كيف يمكن لدولة، بكل ما تمثّله من بنية تقليدية قائمة على السيادة والحدود والجيوش النظامية، أن تُدرج نفسها ضمن «محور مقاومة»، وفوق ذلك أن تتصدّر قيادته؟ أليست المقاومة عملاً يقوم به البشر المظلومون تجاه ظالمهم، أو المقموعون في وجه قامعهم، أو الشعب المحتل ضد من يحتلونه؟ أليست نشاطاً خاصاً بمن لا يملك ترف الدولة ولا أدواتها، أو على الأقل نشاطاً نلجأ إليه في ظل غياب الدولة.
لكن جميعنا يعرف أن إيران ومن قبلها سورية في ظل نظام الأسد، لم تقم بهذا الدور في تصدّر محور المقاومة من باب دفاع الضعيف عن حقه في وجه قوة تفوقه، أو كفعل يهدف إلى إعاقة خصم أقوى، أو لكبح طموحاته التوسعية. بل قامت وتقوم بهذا الدور من أجل إعادة تعريف دورها الإقليمي وتبرير سياساتها، سواء الداخلية أو الخارجية. لكن الغريب هو أن الدولة التي يُفترض بها أن تمتلك أدوات الحرب التقليدية، التي تخضع لمعايير واضحة في الربح والخسارة، تقوم بالاختباء وراء مفهوم يتجاوز هذه المعايير. 
بمعنى أن تعريف الذات وموضعة الدور والمهمة، وكل ما يدخل تحت هذه المفاهيم، يقوم أصلاً على الصمود والاستمرار لا على النصر والهزيمة أو الربح والخسارة.
يمكننا إضافة نقطة مهمة وهي أن الممارسة الفعلية للدولتين المذكورتين على مدار سنوات طويلة، لا تعكس انخراطاً مباشراً ومستمراً في مواجهة عسكرية أو غير عسكرية مع إسرائيل، وهو ما يدخل في صلب تعريف المقاومة على الأقل من منظورهما. 
ورغم عدم الانخراط هذا إلا أنهما استطاعتا استخدام هذا المصطلح كهوية سياسية، وقامتا بنزعه عن كل ما لا يدخل تحت هذه المظلة المفترضة، المصنوعة أولاً وأخيراً من التصريحات وبعض التمويل.
مع مرور السنوات على احتكار المصطلح من قِبل أطراف لا تمارس استحقاقاته، أي لا تنخرط مباشرة بنشاط عسكري أو فعل سياسي، لكنها تحتكر هذا المصطلح وتمنعه عن الآخرين، وبمساعدة إعلام موجّه ويستطيع التلاعب بالجمهور، تغيّر مضمون هذا المصطلح أو المفهوم، وكفّ عن كونه فعل إعاقة أو استنزاف للعدو، وتحوّل إلى تعريف ذاتي، مهمته الأولى والأخيرة هي منح الشرعية للنظام أو الدولة.
قد يعترض كثيرون على هذا الكلام، وخصوصاً من البيئة التي تتلقى هذه «المنحة الرمزية» كوقوف لفظي غير مشروط معها ومع معاناتها، وقد يعميها هذا الاعتراض عن السؤال البسيط الذي يقول: من هو المقاوم؟ ابنك الذي يتجاوز ثلاثة حواجز إسرائيلية كل صباح ليصل إلى مدرسته، ويخاطر من أجل ذلك بحياته، أم ذاك الذي ظل يهتف أمام جمهوره هو بأنه قادر على إبادة إسرائيل خلال سبع دقائق؟ من هو الذي يستحق الانضواء تحت مصطلح المقاومة؟ الفلاح الذي يذهب إلى قطف زيتونه رغم أنف قطعان المستوطنين وإرهابهم، أم ذاك الذي كان يكرر في كل موسم أنه سيختار الزمان والمكان المناسبين للرد على الضربات الموجهة إليه ولا يتحرك، كما لم يتحرك عند ضربك مرات عديدة؟
لكن ما حصل ويحصل مفهوم طبعاً، فمصطلح المقاومة بما فيه من مرونة، يمكنه أن يكون بديلاً جيداً لمصطلح الحرب، وهو على عكس الحرب لا يمكن امتحانه بمعايير النصر والهزيمة كما أسلفنا، بل يحتمل الاستمرار مع كل نكسة، ويحتمل الوقوف مع كل تعثر وتراجع. لذلك فهو أضمن لمن لا يضمنون النتائج، لأنه أولاً غير محدد بزمن، وثانياً غير مشروط بنتيجة إيجابية نهائية.
وهذه المرونة التي يتحلى بها المصطلح هي ما تجعله جذاباً للفاعلين الكبار، أي للدول، قبل الفاعلين الصغار، أي الحركات والفصائل. فهي تتيح للدولة إدارة كل محطة مفصلية من مسيرتها، سواء كانت هزيمة أو تراجعاً، وتقديمها للجمهور على اعتبار أنها مرحلة وليست نتيجة. 
وهنا لا يستطيع الجمهور التمييز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز الخطابي، ولا يجد أمامه إلا انتظار المرحلة القادمة الموعودة. 
فحين يكون معيار النجاح متحركاً، فلا بد أن النتائج تصبح متحركة هي الأخرى، ولا يمكن القبض عليها.
أولئك الذين يتساءلون عن النتائج، أو بمعنى آخر يحاولون القبض عليها، هم بالذات من يتم وصفهم بالمتخاذلين، أو بالطابور الخامس. 
ويصح عليهم الوصف أكثر حين لا يقتنعون بأن الحرب لا تنتهي بانتصار أو بهزيمة، بل بمقولات من قاموس «حققنا الردع» و»لقنّا العدو درساً» و»أفشلنا أهدافه وثبّتنا معادلة جديدة للصراع»... وهكذا.
أما من يقتنعون بذلك، فبدل أن تتعزز لديهم الثقة ينتهون إلى نتيجة معاكسة، حيث يواجهون حالة من التعلّق بين وعود لا تتحقق، ونتائج لا يمكن قياسها، وليس أمامهم إلا انتظار المرحلة القادمة دون أن يملكوا القدرة ولا الجرأة ولا حتى أدوات الحكم على المرحلة السابقة. 
وكل ذلك يحصل في دائرة من دفع الثمن المطلوب منهم حصراً في كل مرحلة. 
وكأن هذا الثمن هو ثمن الفرجة لا ثمن المشاركة.

أحدث الأخبار