بين ترميم الآلات وترميم الأرواح...موسيقيو غزة قصص صمود لا تنتهى

بين ترميم الآلات وترميم الأرواح...موسيقيو غزة قصص صمود لا تنتهى

غزة / PNN / حنان الريفي / تحت ضوء يتسلل من فتحة أعلى الخيمة الصغيرة التي شدت أوتادها فوق ركاممنازل المخيم ، يجلس الخمسيني سهيل أبو شاويش" منشغلا بإصلاح آلات نجت من الإبادة الاسرائيلية في 7/تشرين الأول 2023 ، يمسح  بأصابعه قطرات عرقت تكومت على وجهه الحنطي، وتجاعيد حول عينيه تحكي ثقل الأيام، بينما يختلط بخصلات شعره بغبار أدخنة رمادية متطايرة بفعل مرور المارة من المكان . 

حول كرسيه البلاستيكي تتراكم آلات موسيقية أخرجها أصحابها من تحت الأنقاض؛ كمانات بلا مفاتيح، وأعواد قطعت أوتارها النحاسية بفعل ضغط القصف والردم، يمسك أبو شاويش بملقط حديدي، يسحب وترا قديما، ويستبدله بأحد الأوتار البلاستيكية البديلة  ، بثبات ثم يربطه، فينبعث صوتا موسيقياً يخفي للحظات صوت الزنانة فوقه .

قبل أن يتحول القطاع إلى دمار ، كانت غزة تنبض بحراك موسيقي نابض بالحياة ، معاهد تفتح أبوابها كل صباح، وفرق شبابية تتدرب على قطع موسيقية جديدة، وأوركسترا للأطفال تتدرب بجدية لتحقيق أحلام المستقبل بعيداً عن الحصار والدمار، لم يكن أحد يتخيل حينها أن هذا النبض سيصبح ذكرى يوماً ما.

جاءت الإبادة الاسرائيلية في أكتوبر2023 على قطاع غزة ، قصف معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى من الجيش الإسرائيلي، وتبعته مؤسسة نوى للثقافة والفنون، وصمتت القاعات التي كانت تعج بالتمارين والأصواتوالألحان، غير أن الموسيقى عنيدة وقوية لم تنتظر إعادة إعمار المباني لتعود،فقد تسللت إلى خيام النزوح بلا دعوة، وجدت نفسها بين القماش والشوادر البلاستيكية  ألحانا تحاول البقاء وطوق نجاة نفسي ، ومتنفس للنازحين والأطفال الذين يواجهون كل يوم فقداناً جديداً وصدمة لا تلتئم.

ولكن حكايات الموسيقيين وإنقاذ آلاتهم لم تتوقف عند حدود الخيمة الواحدة؛ فمن مخيم إلى آخر، كان كل موسيقي يخوض معركته الخاصة لإعادة الروح إلى وتر مقطوع أو خشب متصدع.

على بعد كيلومترات من خيمة أبو شاويش، الموسيقي أحمد أبو عمشه النازح على بحر بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة ، فقد في القصف على بلدته بيت حانون استوديو بناه بجهد سنوات، بميكروفوناته وكابلاته وآلاته وتسجيلاته التي لم تعد سوى ذكرى تحت الركام، يتذكر اللحظة التي رأى فيها الاستوديوخراباً.

تحدث  بصوت هادئ لا يخلو من ألم مكتوم يقول: " الدمار يحاول أن يقنعني بأن كل شيء انتهى، لكنني اكتشفت أن الاستوديو يمكن أن يُهدم، أما الموسيقى التي في داخلي لا أحد يمكنه أن يهدمها" ،فبعد كل نزوح جديدتجاوزت محطاته الخمس عشرة مرة وقد تكون أخيراً في بحر الزوايدة ، "أعودلأبحث عن آلة مكسورة يمكن أن تُبعث من جديد" .

كان يشتري ما تيسر من الآلات المتضررة، ويجلس عليها ساعات طويلة يفكالقطع، يفحص الخشب المتكسر ، يبدل الأوتار، ويجرب الصوت مرة بعد مرة حتى تعود الآلة إلى الحياة، في وقت لم تعد الآلات متوفرة أصلاً، لجأ أحمد إلى الارتجال، فمن أنابيب المياه البلاستيكية صنع أداة نفخ تشبه الناي، بعد قياس وتجريب وإنصات للنغمة، حتى تحول الأنبوب المخصص لنقل الماء إلى أداة تحمل صوتاً موسيقياً، وكأن كل آلة أُنقذت من تحت الركام كانت تحمل رسالة: “ أن الضرر لا يعني دائماً النهاية.”

لم يكن الخوف يفارق أحمد يوماً لكنه لم يمنعه من الاستمرار، يعترف بصراحة: "أنا أعيش الحرب نفسها، أنزح وأخاف مثل الجميع ثم أحمل الجيتار من مخيم إلى مخيم، أذهب لأغني للأطفال." ويختصر فلسفته عن الآلات المرممة في يد طفل نازح بقوله: "سنحتاج إلى إعادة بناء الإنسان مثلما سنحتاج إلى إعادة بناء الحجر، فالأطفال هم المكان الذي يجب أن يبدأ منه البناء." فكل وتر يُستبدل، وكل أنبوب مياه يتحول إلى ناي، ليس مجرد ترميم لأداة، بل محاولة لترميم شيء أعمق فيمن يحملها.

وفي واحدة من تلك الجلسات، بينما كان يغني مع الأطفال "نزلن على البستان"، تذكّر فجأة مدينته بيت حانون: "شجيرات الزيتون، صوت الطيور، الأرض... ولو للحظة شعرت إني رجعت على بلدي وبيتي من جديد." ثم يضيف بابتسامة يخمنها من يعرف صوته: “عشان هيك حبيت أشاركّكم الأغنية وهذا الشعور.”

في المخيم المصري قرب نتساريم جنوب مدينة غزة مباشرة ، في كل صباحتحمل ملاك أبو عودة، الصحفية والموسيقية الشابة، عودها كما تحمل حلما لم تتخل عنه رغم النزوح، نزوح تلو الاخر بعد تدمير منزلهم، اختارت البقاء وحدها مع والدها قرب المعهد الموسيقي في النصيرات، بينما عادت بقية أسرتها إلى خان يونس، تسير يوميا من الخيمة كيلومترا  إلى الطريق الرئيسي، وتنتظر ساعة كاملة تحت شمس حارقة قبل أن تصل منهكة إلى دروسها الموسيقي .

تقول ملاك : "كلما أمسكت العود وبدأت بالعزف، أشعر وكأني عدت إلىطفولتي وحلمي الذي راودني قبل الحرب الاسرائيلية على القطاع ،فالعود يزيح عني الضغط النفسي ومرارة الفقدان ومواصلة الطريق بين عملي كصحفية ودراستي الموسيقية".

لكن العود نفسه، رفيق الحلم، لم يكن بمنأى عن قسوة المخيم. فبين نقص الموارد الحاد في المعهد الذي لا يعمل فيه سوى مدرسين اثنين لعشرين طالباً، وبالكاد تتوفر فيه آلات كافية للاستعارة ،كانت ملاك تنتظر الفرصة النادرة لتأخذ عودها إلى خيمتها، لتتدرب مساءً بعيداً عن حر النهار الخانق الذي لا يطاق داخلالخيمة ، لكن حتى تلك اللحظات المسروقة من المساء لم تكن آمنة، فالخصوصية شبه معدومة في المخيم، ولا مكان تحفظ فيه آلتها الثمينة سوى بجانب سريرها.

وفي إحدى الليالي، تركت العود هناك كعادتها، لتفتح علبته في صباح اليوم التالي، قبيل موعد حصتها، فتجد أن الفئران قد قضمت أوتاره بالكامل، "وقفت أمام آلتها طويلا صامتة، لا تعرف ما العمل ، فلا أوتار بديلة قريبة، ولا محل يمكن أن تصل إليه بسهولة وسط ظروف النزوح، ولا حل سريعاً في الأفق" ، لتضطر مرة أخرى لمقاطعة تدريبها، في مشهد يختصر كيف تتحول أبسط تفاصيل الحياة داخل خيام النزوح بين فأر يقضم كل شيء و غياب مكان آمن خوفا من السرقة إلى عقبة أمام حلمها الموسيقي الذي تحاول أن تنجو به .

وعلى الرغم من النزوح، وقلة الموارد، وصعوبات الحياة اليومية، لا تزال ملاك مصممة على السعي وراء هويتها الفنية التي حلمت بها منذ طفولتها، على أملأن تساعدها الموسيقى على استعادة الأمل والشعور بالحياة الطبيعية.

كان قطاع غزة يزخر بالمعاهد والمسارح والمكتبات، لم يبقَ من ذلك المشهد الثقافي إلا القليل، في تقرير صادر عن مركز حماية لحقوق الإنسان، بعنوان "الاستهداف الممنهج للتراث الثقافي في قطاع غزة"، يوثق أن الدمار أو التلف طال 316 موقعاً أثرياً وثقافياً من أصل 325 كانت تحمل ذاكرة غزة، أي ما يقارب المشهد بأكمله.

وتشير بيانات وزارة الثقافة الفلسطينية في رام الله إلى أن اثنتين وثلاثين مؤسسة ثقافية ومسرحاً تحولت إلى ركام أو أنقاض جزئية، واثني عشر متحفاً أُغلقت أبوابها إلى الأبد، وتسع مكتبات وثماني دور نشر صارت في عداد الذاكرة لا الحاضر، بخسائر مادية تجاوزت 17 مليون دولار.

و وثقت الوزارة نفسها أن من قتلتهم الإبادة الإسرائيلية عام 2023، كان عشرة موسيقيين ممن لم تُتح لهم فرصة أن ينجوا، أما معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، الذي كان يحتضن -بحسب تقرير لوكالة الأنباء الصينية "شينخوا"- أكثر من خمسمئة طالب وطالبة بين تعليم مباشر وبرامج تصل إلى أبعد المخيمات، فتحول مقره في مدينة غزة إلى ركام منذ الأيام الأولى للحرب، حاملاً معه عشرات الآلات التي لم يعد بعضها قابلاً للترميم أبداً.

أحدث الأخبار