بعد سيطرة الحوثي على باب المندب ..تسارع التطورات الأمنية يدفع اليمن نحو مرحلة من عدم الاستقرار

بعد سيطرة الحوثي على باب المندب ..تسارع التطورات الأمنية يدفع اليمن نحو مرحلة من عدم الاستقرار

2026 Sep,13

لم يعد المشهد اليمني يقتصر على توترات بين الشمال والجنوب، والجنوب والسعودية، بل دخل فعليا في مرحلة الحرب، إنها المرحلة التي مزقت هذا البلد، قبل توقيع هدنة بواسطة من الأمم المتحدة سنة 2022.

وضمن التطورات المتسارعة الأخيرة، استكمل المقاتلون الحوثيون الجمعة سيطرتهم على منطقة باب المندب والساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، في خطوة تثير القلق على مصير الحركة البحرية قرب هذا الممر الاستراتيجي الذي يربط آسيا بأوروبا.

وبذلك، بات الحوثيون المدعومون من إيران يسيطرون على الممر المائي الحيوي لصادرات النفط من السعودية، والذي ازدادت أهميته بالنسبة للرياض منذ إغلاق طهران مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب بينها وبين واشنطن.

وقال مسؤول حكومي يمني: "استكمل الحوثيون سيطرتهم على منطقة باب المندب وجزيرة ميون الواقعة في وسط المضيق"، قبل أن يؤكد سيطرتهم كذلك على حنيش الكبرى والصغرى، آخر جزيرتين في محيط منطقة باب المندب كانتا في أيدي القوات الحكومية.

وقال "كل ما كان في قبضتنا على الساحل الغربي سقط"، في إشارة إلى سيطرة الحوثيين على كل الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر.

وتضم منطقة باب المندب أربع جزر استراتيجية كانت تسيطر عليها الحكومة اليمنية وهي جزر زقر الواقعة قرب مضيق باب المندب في قلب الممر الملاحي الدولي بين سواحل اليمن وإريتريا وقد استولى عليها الحوثيون الخميس، وميون وحنيش الكبرى والصغرى التي سقطت الجمعة.

ونقلت وكالة فرانس برس عن شهود عيان أن الحوثيين ينتشرون على شاطئ باب المندب، ويستخدمون مركبات عسكرية للتجول في المنطقة.

وفي السياق ذاته، أفاد مصدران حكوميان يمنيان لـ "رويترز" اليوم الجمعة بأن الحوثيين وصلوا إلى مدينة ذباب المحاذية مباشرة لمضيق باب المندب مقابل جزيرة بريم، فيما أكدت مصادر حكومية أخرى للوكالة أمس الخميس أن السيطرة على ذباب وبريم تُعدّ خطوة محورية لبسط النفوذ الكامل على هذا الممر البحري الحيوي.

مستقبل الأزمة

بحسب مراقبين، فإن مستقبل الأزمة بين السعودية والحوثيين، دخلت في مرحلة قاتمة المصير، في ظل تغييرات هيكلية على المستوى السياسي والأمني، شهدتها اليمن مطلع العام الجاري.

وبينما تحتدم المواجهات بين الطرفين، أفاد موقع أكسيوس قد نقل عن مسؤولين أمريكيين، أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين هاتفيين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس، وحثه على شن ضربات ضد الحوثيين. مشيرا إلى أن ترامب رفض الطلب، وصرّح مسؤولون أمريكيون بأن الإدارة لا تعتزم القيام بعمل عسكري مباشر ضد الحوثيين في الوقت الراهن.

ووفقاً لـ (أكسيوس)، تتزايد المخاوف الأمريكية بشأن الصراع المتصاعد بسرعة في اليمن، وتعمل الولايات المتحدة على تكثيف دعمها للمملكة العربية السعودية مع السعي في الوقت ذاته لتجنب الانخراط العسكري المباشر.

وأضاف الموقع أن مسؤولين عسكريين ومدنيين أمريكيين أبلغوا نظراءهم السعوديين في الأسابيع الأخيرة بأن توجيهات ترامب تقضي بتركيز القوات الأمريكية على إيران وتأمين مضيق هرمز، مع تجنب فتح جبهة عسكرية أخرى.

الباحث إبراهيم علي، يقول إن ملف مكافحة الإرهاب يعد " واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في المشهد اليمني، وهو ملف لا يحتمل القرارات السريعة أو الارتجال، لأن كلفة ذلك عالية.

ومع توقف الدور أو الدعم الإماراتي في هذا الجانب، بسبب الأحداث الأخيرة التي شهدها جنوب اليمن، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام اختبار حقيقي، لا يخص فقط أمن اليمن، بل يمتد ليشمل أمنها القومي وشريط حدودها، وكذلك موقعها الإقليمي في معركة طويلة مع التنظيمات المتطرفة."

وأضاف أن "خروج الإمارات من هذا الملف ومن الساحة اليمنية كليًا لا يعني أن معركة مكافحة الإرهاب انتهت. لكنَّ هذا الخروج يضع السعودية أمام واقع جديد، تصبح فيه الطرف الأوحد المتحمل للمسؤولية، ليس بوصفها شريكا في معركة سابقة في اليمن، بل بوصفها اللاعب الذي سيطلب منه إدارة الملف أو احتواء تداعياته."

وأشار إلى أن " التحدي الأكبر فيتمثل في أن السعودية لم تخض في السابق حربا ميدانية مباشرة ومنظمة ضد التنظيمات الإرهابية داخل اليمن. الدور العسكري كان غالبا غير مباشر، أو يتم عبر دعم أطراف أخرى، من خلال تقديم المعلومات الاستخباراتية وغيرها.

ومع غياب الإمارات، تصبح الحاجة ملحة لبناء نموذج جديد يجمع بين الاستخبارات، والدعم العسكري، والعمل الأمني المحلي، وهو نموذج يتطلب وقتا وصبرا وقرارات محسوبة وغير مرتجلة."

وكانت الإمارات، قد اخترقت الدفاعات الحوثية، خلال فترة تواجدها، واستطاعت تأمين باب المندب مع القوات الجنوبية، والساحل الغربي، قبل قصف الأخيرة من طرف السعودية، خلال شهر يناير الماضي، وبالتالي سقط باب المندب في أول توتر أمني.

عوامل رئيسية

في غضون ذلك، يرجع مراقبون، تسارع التطورات الأخيرة، إلى عوامل أخرى، أبرزها عدم تواجد الحكومة المدعومة من السعودية على أرض الواقع، مع تدهور الأوضاع المعيشية، وأزمة الرواتب، والفساد.

الخبير اليمني في اقتصاد الحرب يوسف شمسان المقطري، تحدث "عن تكون منظومة فساد تغلغلت على نحوٍ مرعب في مفاصل الدولة خلال فترة ما بعد الحرب في اليمن، فقد شهدت البلاد خروج المؤسّسات والموارد عن السيطرة، مع تحول الفساد تحولاً نوعياً أخطر، إذ لم يعد يستند إلى القوانين والمؤسسات فحسب، بل أصبح مسنوداً بالعنف والسلاح والإقصاء والتهميش والاستبعاد والتخوين، متغلغلاً في صلب اقتصاد الحرب، ومتحولاً إلى أحد أهم مصادر الريع والتمويل."

وكشف التقرير الصادر عن جهاز الرقابة والمحاسبة عن فساد بمليارات الريالات في عدد من القطاعات والمؤسسات الحكومية، بينما تحدث تقرير برلماني، عن" ابتلاع المال العام نتيجة تفشي ظاهرة الفساد والاختلالات القائمة، الأمر الذي أرهق كاهل الدولة والمواطنين جراء عدم توافر الحد الأدنى من التيار الكهربائي، إذ ارتفعت نسبة العجز إلى 75%، وخرجت 80% من منظومة التوليد في الآونة الأخيرة، ووصل معدل الإطفاء إلى 18 ساعة يومياً، رغم إنفاق الحكومة ما بين 100 و150 مليون دولار شهرياً قيمةً للوقود والطاقة المشتراة للمحطات"، مؤكداً "أن الحكومة لم تقم بأي معالجات لوقف حالة التدهور في إنتاج الطاقة وتوفير الوقود لضمان استمراريتها".

ويقول المحلل صلاح الأصبحي، إن الحكومة الشرعية تفتقر "للعمل المؤسسي ومبدأ الشفافية والنزاهة والاكتفاء بعملية سياسية دون امتلاك إدارة تنفيذية أو قدرة سيادية تضبط طريقة أداء وعمل المؤسسات الحكومية، نظراً لما تقتضيه الشراكة وتلزم به المحاصصة ويسيره التوافق السياسي، كل هذه الأسباب منحت الفساد أرضية حرة للتمدد والتفشي واستحواذه على نصيب الأسد من العائدات."

وأكد أن "الفساد هو العدو الداخلي الأكبر الذي يدمر بنية الدولة، ويعطل سلطتها ويبرز عجزها، ويقدم صورة داخلية وخارجية ميؤوس منها عن الشرعية، وينتزع منها ثقة المانحين والداعمين الإقليميين والدوليين الذين يتبرمون من الفساد المستشري."

أحدث الأخبار