زيمبابوي/سما- عثر فريق دولي من العلماء، بعد سنوات من البحث الدقيق في مياه بحيرة كاريبا بزيمبابوي، على بقايا ديناصور جديد تعود إلى 210 ملايين سنة مضت. وأطلقت الدراسة، التي نُشرت في تموز/يوليو من العام الحالي، على هذا الكائن القديم اسم موسانغو ماتوسادونينسيس، في إشارة إلى الموقع النائي حيث عُثر عليه وتكريمًا لمرشد الحياة البرية الذي حمى الباحثين من الحيوانات المفترسة.
جرت المغامرة العلمية وسط ظروف استثنائية؛ فاخترق الفريق البريطاني والجنوب أفريقي والزيمبابوي مياهًا تعجّ بأفراس النهر والتماسيح، وعلى شواطئ تجوب فيها الأسود والفيلة، على بُعد نحو 50 كيلومترًا من أقرب بلدة. واستخدم الباحثون قاربًا نهريًا محليًا مختبرًا متنقلًا، وقوارس أصغر للوصول إلى مواقع التنقيب والتنقل بينها، في رحلات وصفها قائد البعثة، جونا شوانيير، بأنها مخيفة لكن مذهلة. وقال شوانيير، أستاذ علم الأحياء المقارن في جامعة ويتواترسراند بجوهانسبرغ: "لم أرَ في حياتي هذا العدد الكبير من أفراس النهر. كان الأمر مخيفًا نوعًا ما، لكنه كان أيضًا تجربة مذهلة مع الحياة البرية، وشيئًا لا نختبره عادةً كعلماء حفريات".
بلغ طول موسانغو نحو 4.5 أمتار، أي ما يقارب طول سيارة هاتشباك، ووزنه 222 كيلوغرامًا، قريبًا من وزن خنزير بالغ. عاش الديناصور في العصر الترياسي المتأخر، ويُصنّف ضمن مجموعة السوروبودومورفات التي تضم أسلاف الديناصورات طويلة العنق مثل ديبلودوكس. وكان ديناصورًا مبكرًا يسير على قدمين، وقد بلغ معظم نموه عندما نفق في سن الثامنة. والعثور على عظام العمود الفقري والأضلاع والذراعين والساقين والقدمين يشير إلى أنه كان من الحيوانات العاشبة أو القارتة، يتغذى على النباتات القريبة من المياه، لكن بقاء الرأس مفقودًا يحول دون التأكد من تفاصيل غذائه وحواسه.
يعتقد الباحثون أن عدم العثور على الرأس يعود إلى أسباب متعددة، منها أن حيوانًا مفترسًا أو جاثمًا أزاله، أو أنه تحلّل قبل أن يتحجّر. وشرح شوانيير الحالة الشائعة في تنقيبات الحفريات قائلًا: "ربما تكون عيّنة واحدة فقط من كل 100 عيّنة نعثر عليها ذات هيكل عظمي كامل في موضعه، أي أنها نفقت في ذلك المكان وسط الطين، ولدينا جميع عظامها. ومن بين هذه العينات، ربما تحتوي واحدة فقط من كل 10 على جمجمة". وأضاف أن جزءًا كبيرًا من عمل الحفريات يعتمد على الاستنتاج بناءً على تراكم أحافير كافية عبر عقود أو قرون من البحث.
يمثل موسانغو ثاني اكتشاف رئيسي للفريق في منطقة بحيرة كاريبا، بعد موسانكوا سانياتينسيس، وهو أيضًا من السوروبودومورفات، اكتُشف سنة 2018 وأُطلق عليه اسمه رسميًا عام 2024. يُعتقد أن النوعين عاشا إلى جانب أسماك الرئة والفيتوصورات الشبيهة بالتماسيح، التي عُثر على أحافير لها أيضًا في الموقع ذاته. تكتسب هذه الاكتشافات أهمية حاسمة لفهم الفترة الفاصلة بين العصرين الترياسي والجوراسي، حيث تحولت الديناصورات المبكرة إلى القوة المهيمنة في النظام البيئي. لكن دراسة هذه المرحلة المحورية تظل صعبة لندرة المواقع التي تحتفظ بصخور بهذا القِدم.
تتمتع مناطق في جنوب القارة الأفريقية، مثل بحيرة كاريبا، بمزايا جيولوجية فريدة؛ فهي تضم أحواضًا واسعة من الصخور الرسوبية التي تحافظ على العظام القديمة بصورة أفضل بفضل تراكم الطين والرمال. هذا السياق الجيولوجي يجعل المنطقة ذات إمكانيات هائلة لم تُستكشف بالكامل بعد، كما يرى بول باريت، المؤلف الرئيسي للدراسة ورئيس قسم الفقاريات الأحفورية في متحف التاريخ الطبيعي البريطاني. وقال باريت لـCNN: "لطالما افترضنا أن الديناصورات من هذا الجزء من العالم ستكون في الأساس مماثلة لتلك التي نعثر عليها في أنحاء جنوب أفريقيا. لكن اتضح أن الأمر مختلف في الواقع؛ فكلما بحثنا أكثر، وجدنا أنها أكثر اختلافًا... وهناك إمكانات هائلة لم تتحقق بالكامل بعد".
لكن اكتشاف موسانغو يطرح سؤالًا عن عدم الاهتمام التاريخي بالمنطقة؛ فهو ليس سوى خامس ديناصور يُكتشف في زيمبابوي ويُطلَق عليه اسم، رغم إمكانيات البلاد الهائلة في مجال الحفريات. يعزو الباحثون ذلك إلى عوامل متعددة؛ منها البعد الجغرافي لمعظم مواقع البحث الرئيسية في القارة، مما يجعل الوصول إليها صعبًا من الناحية اللوجستية ويقلل فرص اكتشاف السكان المحليين للأحافير بالصدفة. لكن عوامل سياسية لعبت دورًا مهمًا أيضًا؛ فقد أشار باريت إلى أن الصراع الأهلي من أجل الاستقلال في زيمبابوي، الذي بدأ عام 1964 واستمر حتى 1979، ترك أثرًا امتد لعقود على علم الحفريات في البلاد، إذ دفع عددًا كبيرًا من العلماء المتخصصين إلى الانتقال إلى جنوب أفريقيا.
يعترف شوانيير بأن جنوب أفريقيا تمتعت بأهمية استثنائية تاريخيًا في فهم أصول الديناصورات عبر حقب زمنية شاسعة، لكن هذا لا ينفي ما ينتظر اكتشافه في زيمبابوي والمناطق الأفريقية الأخرى. وقال: "لا يزال هناك الكثير مما ينتظر اكتشافه، وهذا ما يجعل المنطقة شديدة الإثارة بالنسبة إليّ وللمتعاونين معنا. لكنني أتمنى دومًا أن يكون لدينا عدد أكبر من الأشخاص الذين يقومون بذلك". مع استعداد الفريق للعودة إلى بحيرة كاريبا مطلع عام 2027، يأمل الباحثون أن تسهم اكتشافاتهم في توسيع نطاق أبحاث الحفريات في زيمبابوي وفي القارة الأفريقية بشكل أوسع.
اقرأ أيضًا:
