في التاريخ لحظات نادرة لا تُقاس بأيامها، بل بعمق أثرها في مسار الشعوب. ومع اقتراب المؤتمر العام الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، تقف الحركة أمام واحدة من تلك اللحظات التي لا تحتمل القراءة التقليدية، ولا تقبل إدارة التفاصيل بمعزل عن الأسئلة الكبرى. إنها لحظة تختبر القدرة على الجمع بين الوفاء للماضي والاستجابة لمقتضيات الحاضر وصياغة أفق يستحق تضحيات شعب ما زال يكتب تاريخه بدمه وصموده. واستكمالًا للمقال السابق “فتح: المؤتمر الثامن… لحظة القرار”، الذي توقف عند طبيعة هذه اللحظة المفصلية، يأتي هذا المقال ليغوص أعمق في معادلة التوازن بين أصالة التجربة وضرورة الانطلاق نحو تجديد الدور والرؤية.
ولأن الإنصاف أساس كل قراءة جادة، فإن الحديث عن فتح لا يمكن أن يبدأ بالنقد قبل الإقرار بمكانتها. فهذه الحركة لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل كانت ولا تزال عمود الخيمة الوطنية، والسياج الذي حمى الكينونة الفلسطينية في أشد مراحلها هشاشة. من بين ركام اللجوء، ومن خيام المنافي، ومن صبر المخيمات ووعي المناضلين، وُلدت فتح كإرادة شعب لا يقبل الذوبان، وكفعل تاريخي أعاد لفلسطين اسمها في زمن كان يُراد له أن يُمحى.
لقد كتبت فتح حضورها بدماء شهدائها الأبرار الذين رسموا بتضحياتهم ملامح الطريق، وبصبر جرحاها الذين حملوا الألم عنوانًا للثبات، وبصمود أسراها البواسل الذين حوّلوا السجن إلى مساحة كرامة ومعنى، وبنضال كوادرها في الداخل والشتات الذين حافظوا على جذوة القضية حيّة في وجه العواصف. ومن هذه التضحيات تشكّلت ملامح الهوية السياسية الفلسطينية، وترسّخت فكرة الكيان الوطني، وتحوّلت القضية من حالة تغييب إلى حضور راسخ في ضمير العالم.
هذه المسيرة، بما تحمله من مجد وتضحيات، لا تُختزل في ماضٍ يُستحضر، بل في مسؤولية حاضرة تُستكمل. فالحركات العظيمة لا تُخلّد لأنها بدأت بقوة، بل لأنها تعرف كيف تستعيد قوتها كلما تعثرت، وكيف تحوّل التجربة إلى وعي، والوعي إلى فعل.
بين الكبوة والانطلاق تقف حكمة التجربة. ليس في تاريخ الحركات الكبرى مسار مستقيم بلا تعثر. فحتى الحصان العربي الأصيل قد يكبو في لحظة، لكنه لا يفقد أصالته، ولا ينسى وجهته، بل ينهض أكثر صلابة وينطلق بثقة أكبر نحو هدفه. وفتح، بما تحمله من عمق تاريخي وتجربة نضالية، ليست استثناء من هذه القاعدة. لقد واجهت تحديات قاسية، وتعرضت لكبوات، لكنها بقيت حاضرة في وجدان شعبها، لأن جوهرها لم ينكسر.
إن المؤتمر الثامن، في هذا السياق، ليس مجرد استحقاق تنظيمي، بل فرصة لإعادة التقاط اللحظة واستعادة روح المبادرة وإثبات أن فتح قادرة على النهوض من جديد، لا بالحنين إلى الماضي، بل بالاستناد إليه لبناء المستقبل.
إن شرعية فتح النضالية ليست امتيازًا يُكتفى به، بل أمانة تُحمّلها مسؤولية مضاعفة. فالتاريخ لا يمنح الحركات حصانة دائمة، بل يطالبها بأن تكون في مستوى ما صنعت. ومن هنا تصبح المراجعة ضرورة وطنية وأخلاقية، لا ترفًا سياسيًا. مراجعة عميقة تُشخّص مكامن القوة لتعزيزها، وتتعامل مع مكامن الخلل بروح إصلاحية شجاعة، دون إنكار أو تهوين.
التجديد في قلب هذه اللحظة ليس شعارًا بل ضرورة. فالمجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات يزخر بطاقات شابة تحمل وعيًا مختلفًا وطموحًا مشروعًا للمشاركة. وهذه الطاقات لا ينبغي أن تبقى على هامش القرار، بل في صلبه. لكن التجديد لا يعني القطيعة مع الخبرة، بل التكامل معها. فالتجربة المتراكمة هي الذاكرة الحية، والشباب هو الطاقة الدافعة، وبينهما تُبنى المعادلة التي تحمي الحركة من الجمود والانقطاع معًا.
المطلوب هو شراكة حقيقية بين الأجيال، حيث تلتقي حكمة التجربة مع جرأة المبادرة، ويُفتح المجال أمام الكفاءة لا الانتماء الشكلي، وأمام الفعل لا الموقع. فالمستقبل لا يُدار بعقلية الأمس، لكنه أيضًا لا يُبنى دون الاستفادة من دروسه.
الثقة تبقى التحدي الأعمق. لقد بنت فتح تاريخها على التحامها بالجماهير، على كونها جزءًا من الناس لا منفصلة عنهم. واليوم، فإن استعادة هذه العلاقة تتطلب جهدًا حقيقيًا يتجاوز الخطاب إلى الفعل. حضور في الميدان، إنصات صادق لهموم المواطنين، شفافية في القرار، وعدالة في التعامل. حين يشعر المواطن في غزة والضفة والقدس والشتات أن الحركة تعبّر عنه بصدق، تتجدد الثقة، ويعود المعنى.
وحدة الساحات ليست خيارًا بل ضرورة. فالقضية الفلسطينية، رغم تباعد جغرافياتها، تبقى واحدة في جوهرها. غزة عنوان الصمود، الضفة ساحة المواجهة اليومية، القدس قلب الهوية، والشتات ذاكرة حية وامتداد استراتيجي. وأي رؤية لا تجمع هذه الساحات في إطار وطني متكامل ستبقى ناقصة.
كما أن استعادة المبادرة لم تعد ترفًا سياسيًا. ففتح التي كانت يومًا عنوان الفعل المبادر مطالبة اليوم بالعودة إلى هذا الدور. في الخطاب السياسي، في الحضور الدولي، في تفعيل طاقات الشتات، وفي إعادة تقديم الرواية الفلسطينية بلغة تلامس وجدان العالم. المبادرة هي جوهر القيادة، وبدونها تتحول السياسة إلى إدارة انتظار.
أما الإصلاح، فهو الضمانة الحقيقية لاستمرار الدور. الشفافية والنزاهة والمساءلة ليست شعارات، بل شروط لبناء مؤسسات قوية تعزّز ثقة المواطن وتصون الإنجاز. فكلما اقتربت الحركة من الناس، واقتربت مؤسساتها من معايير العدالة، ازداد تماسكها، وتعززت قدرتها على المواجهة.
المؤتمر الثامن ليس محطة عابرة، بل لحظة فاصلة بين إدارة الواقع وصناعته. وفتح، بتاريخها الوضاء وتضحياتها الجسام، تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تعود أكثر قوة وتأثيرًا إذا ما أحسنت قراءة هذه اللحظة.
المؤتمر الثامن ليس موعدًا تنظيميًا يُسجَّل في الأجندة، بل لحظة وفاء لدماء الشهداء، وأمانة في أعناق الأحياء، واختبار لقدرة فتح على أن تكون كما كانت في قلب الحدث لا على هامشه.
فتح ليست مجرد اسم في التاريخ، بل هي الحكاية التي كُتبت بدم طاهر وصمود لا ينكسر وعزيمة لم تعرف الاستسلام. هي الحركة التي حملت الوطن حين كان فكرة مهددة، وحوّلته إلى كيان حاضر رغم كل محاولات الطمس.
واليوم، لا يُطلب منها أن تعود إلى الماضي، بل أن تستحضره قوة تدفعها إلى الأمام، وأن تثبت أن الكبوات لم تكن نهاية بل محطات عبور نحو نهوض أعمق وأكثر وعيًا.
إنها لحظة القرار
إما أن ترتقي فتح إلى مستوى تاريخها فتجدّد نفسها وتوحد طاقاتها وتفتح أبوابها لكل مخلص قادر لتبقى قائدة للمشروع الوطني
أو تترك الزمن يسبقها فتخسر دورها الذي صنعته بسنوات من التضحيات
من غزة التي تختبر معنى الصمود كل يوم إلى الضفة التي تواجه بلا هوادة إلى القدس التي تقاوم محو هويتها إلى الشتات الذي يحفظ الذاكرة ويصنع الحضور، تتجه الأنظار إلى فتح بوصفها عنوانًا للمرحلة لا مجرد جزء منها
فإن نهضت نهضت معها القضية
وإن استعادت روحها استعادت فلسطين بعضًا من توازنها
التاريخ لا يكتب نفسه
بل ينتظر من يملك الشجاعة ليكتبه من جديد.
ناشط سياسي وكاتب عربي فلسطيني عضو الأمانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام/ شيكاغو

