الكونغرس الأمريكي يدرس شراكة دفاعية غير مسبوقة مع إسرائيل

الكونغرس الأمريكي يدرس شراكة دفاعية غير مسبوقة مع إسرائيل

2026 Aug,06

في هذا التقرير، تكشف صحيفة نيويورك تايمز عن توجه جديد داخل الكونغرس الأمريكي لإعادة صياغة العلاقة العسكرية مع إسرائيل. فبدلا من استمرار المساعدات العسكرية السنوية المباشرة، يناقش المشرعون إنشاء شراكة دفاعية وصناعية واستخباراتية أكثر عمقا، يرى مؤيدوها أنها تعزز المصالح الأمريكية، بينما يحذر معارضوها من أنها قد تمس السيادة الأمريكية وتربط البنتاغون بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية بصورة يصعب التراجع عنها.

على مدى عقود، دعمت الولايات المتحدة أمن إسرائيل عبر تقديم مليارات الدولارات سنويا كمساعدات عسكرية، إلى جانب التعاون الوثيق في مجالات الاستخبارات والدفاع الصاروخي وتطوير الأسلحة. لكن مع تراجع التأييد السياسي داخل الولايات المتحدة لاستمرار هذا التمويل، يدرس الكونغرس الآن استبدال نموذج المساعدات المالية التقليدي بشراكة دفاعية وصناعية وتكنولوجية أكثر اندماجا بين البلدين.

يحذر معارضون من أن المشروع قد يطمس الحدود الفاصلة بين دعم حليف وبين دمج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بصورة متزايدة داخل المنظومة الدفاعية الأمريكية.

وقد ضمّن كل من مجلسي النواب والشيوخ هذا التوجه في مشروع قانون السياسة الدفاعية السنوي، فاتحين الباب أمام تعاون قانوني دائم في مجالات التصنيع العسكري والاستخبارات وتطوير التكنولوجيا. ويحظى هذا التحول بدعم الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في وقت تتزايد فيه المعارضة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاستمرار تقديم مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى الجيش الإسرائيلي.

ويرى مؤيدو المشروع أنه سينقل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من صيغة “المانح والمتلقي” إلى شراكة استراتيجية متكافئة، تستفيد فيها الولايات المتحدة من الخبرة الإسرائيلية في مجالات الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية. في المقابل، يحذر معارضون من أن المشروع قد يطمس الحدود الفاصلة بين دعم حليف وبين دمج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بصورة متزايدة داخل المنظومة الدفاعية الأمريكية.

ماذا يتضمن المشروع؟

تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل بالفعل مشاريع مشتركة في تطوير أنظمة دفاعية مثل “القبة الحديدية” و”مقلاع داود”، بالتعاون بين شركات أمريكية وإسرائيلية، منها رايثيون ورافائيل. وقد برز هذا التعاون بوضوح بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في 28 فبراير. لكن مشروع القانون الجديد يسعى إلى تحويل هذا التعاون من ترتيبات عملية إلى التزام قانوني دائم.

ويقضي مشروع مجلس النواب بإنشاء مكتب خاص داخل وزارة الدفاع الأمريكية تكون مهمته القانونية تسهيل التعاون الدفاعي مع إسرائيل، والإشراف على تطوير الأسلحة الجديدة والتقنيات العسكرية واختبارها وإدخالها إلى الخدمة.

كما يتوقع دمج مشروع قانون استخباراتي منفصل مع قانون الدفاع، بحيث يلزم الرئيس ومدير الاستخبارات الوطنية بتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل، ما لم يشكل ذلك خطرا على الأمن القومي الأمريكي أو يكشف مصادر وأساليب استخباراتية حساسة.

ويتصور مؤيدو المشروع تعاونا واسعا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والدفاع الصاروخي، والأمن السيبراني. ويعود أصل هذه المبادرة إلى مشروع قانون قدمه السيناتور الجمهوري تيد باد والسيناتورة الديمقراطية كيرستن جيليبراند، كما قدم مشروع مماثل في مجلس النواب من النائبين الجمهوري روني جاكسون والديمقراطي دون ديفيس.

وفي خطوة موازية، قدم النائب الجمهوري مارلين ستوتزمان، المحسوب على تيار “أمريكا أولا”، قرارا غير ملزم يدعو إلى إنهاء مذكرة التفاهم الحالية التي تمنح إسرائيل 3.8 مليارات دولار سنويا كمساعدات عسكرية، واستبدالها بشراكة قائمة على التعاون الدفاعي والاستثمار الاقتصادي المشترك.

لماذا الآن؟

تنتهي مذكرة التفاهم الحالية عام 2028، وقد أعلن مشرعون من الحزبين أنهم يعارضون توقيع اتفاق جديد يقوم على استمرار المساعدات العسكرية السنوية المباشرة.

يقضي مشروع مجلس النواب بإنشاء مكتب خاص داخل وزارة الدفاع الأمريكية تكون مهمته القانونية تسهيل التعاون الدفاعي مع إسرائيل

ويقول ستوتزمان إن فكرته تقوم على الانتقال من تقديم المساعدات إلى إقامة علاقة تقوم على التبادل العسكري والاقتصادي بما يخدم مصالح الطرفين. وبهذه الصيغة، يمكن للولايات المتحدة أن تواصل دعم إسرائيل عسكريا واستخباراتيا من دون الحاجة إلى موافقة سنوية من الكونغرس على تحويل مليارات الدولارات.

وجاء هذا التوجه أيضا نتيجة تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب الإسرائيلية في غزة. ففي الشهر الماضي، صوّت نحو نصف أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب لصالح تعديل يطالب بوقف المساعدات الأمريكية لإسرائيل. ورغم سقوط الاقتراح، فإنه عكس تحولا ملحوظا داخل الحزب.

كما أظهرت استطلاعات الرأي انقساما واضحا داخل الحزب الجمهوري نفسه. فبحسب استطلاع أجرته نيويورك تايمز بالتعاون مع سيينا في شهر مايو، عارض 63 بالمئة من الجمهوريين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و44 عاما تقديم مساعدات إضافية لإسرائيل، بينما أيد 72 بالمئة ممن تجاوزوا الخامسة والأربعين استمرار الدعم.

وترى الصحيفة أن هذه المبادرة تنسجم أيضا مع رغبة نتنياهو في إظهار إسرائيل أقل اعتمادا على المساعدات الأمريكية، ومع دعوات ترامب المتكررة لحلفاء الولايات المتحدة لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن أنفسهم.

لماذا يثير المشروع الجدل؟

يرى المعارضون أن المشروع يمنح إسرائيل نفوذا واسعا على ملفات الدفاع الأمريكية الحساسة. ويقول السيناتور الديمقراطي كريس فان هولن، إن الولايات المتحدة تستطيع دائما الدخول في مشاريع إنتاج مشتركة مع أي دولة عندما ترى ذلك مناسبا، لكن الخطير في المشروع الجديد أنه يجعل هذا التعاون إلزاميا بقوة القانون.

ويضيف أن ذلك يمنح الحكومة الإسرائيلية تأثيرا أكبر في إنتاج بعض منظومات السلاح الأمريكية، وربما في قرارات استخدامها مستقبلا.

أما النائب الجمهوري توماس ماسي، فأكد أن المشروع يمثل “خيانة للسيادة الأمريكية”، لأنه يدمج التكنولوجيا العسكرية وسلاسل الإمداد الأمريكية مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة. وبالتعاون مع النائب الديمقراطي رو خانا، حاول ماسي حذف هذا البند من مشروع قانون الدفاع، لكن قيادة الجمهوريين منعت طرح الاقتراح للتصويت.

كما حذرت النائبة الديمقراطية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز من أن المشروع سيؤدي إلى دمج أجزاء من الجيش الأمريكي مع الجيش الإسرائيلي، معتبرة أن ذلك يشكل تهديدا وجوديا للسيادة الأمريكية والديمقراطية.

وتشير الصحيفة إلى أن هذا الوصف يتجاوز ما ينص عليه القانون بالفعل، إذ لا يتضمن المشروع دمج الجيشين أو وضع القوات الأمريكية والإسرائيلية تحت قيادة مشتركة. ويرد مؤيدو المشروع بأن هذه الانتقادات تشوه حقيقة النصوص القانونية، مؤكدين أن الهدف يقتصر على توسيع الاستثمار المشترك في البحث والتطوير بما يعود بالفائدة على الأمن الأمريكي.

ويقول السيناتور تيد باد إن المشروع لا يفرض أي قيود على الجيش الأمريكي، بل يعزز قدراته من خلال الاستفادة من الابتكارات الإسرائيلية.

النائب الجمهوري توماس ماسي، أكد أن المشروع يمثل “خيانة للسيادة الأمريكية”، لأنه يدمج التكنولوجيا العسكرية وسلاسل الإمداد الأمريكية مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة

شراكة تختلف عن غيرها

وتوضح الصحيفة أن الولايات المتحدة تقيم بالفعل شراكات دفاعية وصناعية مع عدد من حلفائها، مثل بريطانيا وأستراليا وكندا ودول حلف شمال الأطلسي. لكن المقترحات الجديدة ستنشئ واحدة من أوسع الشراكات الدفاعية مع إسرائيل، رغم أن البلدين لا يرتبطان بمعاهدة دفاع مشترك رسمية.

ويستشهد السيناتور فان هولن بتجربة إنتاج منظومة “القبة الحديدية”، حيث استخدمت إسرائيل حقها في الاعتراض على نقل بعض هذه المنظومات إلى أوكرانيا، خشية وقوع التكنولوجيا في أيدي روسيا ثم انتقالها إلى إيران.

ويرى أن هذه السابقة تظهر كيف يمكن للشراكات الإنتاجية المشتركة أن تحد مستقبلا من حرية القرار الأمريكي في استخدام أو نقل بعض الأسلحة. ويخلص التقرير إلى أن النقاش داخل الكونغرس لم يعد يدور حول حجم المساعدات العسكرية لإسرائيل، بل حول طبيعة العلاقة نفسها.

فإذا أقر المشروع، ستنتقل العلاقة من نموذج قائم على التمويل السنوي المباشر إلى شراكة دفاعية وتكنولوجية طويلة الأمد، قد تعيد رسم حدود التعاون العسكري بين البلدين، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة متزايدة بشأن مدى تأثيرها في استقلال القرار العسكري والسيادي للولايات المتحدة.

أحدث الأخبار