الفرد الذي لم يولد بعد..رامي مهداوي

الفرد الذي لم يولد بعد..رامي مهداوي

2026 May,03

في التجربة الفلسطينية، لا يُطرح سؤال القيم الجماعية والحريات الفردية بوصفه ترفًا فكريًا، بل بوصفه معضلة وجودية تُلامس جوهر الكينونة ذاتها. فهنا، حيث يتكثف التاريخ في لحظة يومية مثقلة بالتهديد، وحيث يتحول البقاء إلى فعل مقاومة، لا تعود القيم مجرد منظومة أخلاقية، بل تصبح بنية دفاعية عميقة، فيما تتحول الحرية الفردية إلى اختبار معقّد يتأرجح بين الممكن والمؤجل.

لقد تشكّلت القيم الجماعية الفلسطينية في سياق استثنائي، حيث لم يكن المجتمع يملك رفاهية التفكك. التضامن، والتكافل، والانضباط الجمعي، لم تكن فقط تعبيرات ثقافية، بل شروطًا للاستمرار في وجه مشروع يستهدف اقتلاع الإنسان من أرضه ومعناه. في هذا السياق، تماهت الأخلاق مع السياسة، وامتزجت الهوية بالوظيفة، فأصبح الفرد حاملًا لعبء الجماعة، لا مجرد عضو فيها. هنا، تكتسب القيم بعدًا شبه مقدّس، لأنها ترتبط بحماية الوجود، لا بتنظيمه فقط.
غير أن هذه الضرورة التاريخية، على مشروعيتها، تحمل في داخلها بذور إشكالية عميقة. فحين تُرفع القيم إلى مرتبة الضرورة المطلقة، وتُحصّن ضد النقد، تتحول من قوة حيوية إلى بنية مغلقة. عندها، يصبح الاختلاف تهديدًا، والتفكير الحر نوعًا من الشك، بل وربما خيانة رمزية. في لحظة كهذه، يُعاد إنتاج الجماعة كسلطة أخلاقية لا تُرى، لكنها تُمارس تأثيرها العميق في تشكيل الوعي، وتحديد المقبول والمرفوض، ليس عبر القانون، بل عبر الضمير الجمعي.
في المقابل، تبدو الحريات الفردية في الحالة الفلسطينية وكأنها مؤجلة دائمًا إلى «ما بعد» لا يأتي. فالفرد الفلسطيني لا يعيش فقط تحت سلطة مجتمعه، بل تحت منظومة استعمارية تُقيد حركته، وتعيد تعريف إنسانيته ضمن شروط السيطرة. هنا، يتضاعف القيد، ويصبح الحديث عن الحرية معلقًا بين احتلال خارجي يُصادر الحقوق، وبنية داخلية قد لا تمنحها كامل مشروعيتها. ومن ثمّ، فإن الفرد يجد نفسه في موقع هشّ: مطالبًا بالالتزام بقيم الجماعة من جهة، ومحرومًا من شروط الحرية من جهة أخرى.
لكن الإشكال الأعمق لا يكمن في غياب الحرية فحسب، بل في طريقة فهمها. فحين تُختزل الحرية في بعدها الفردي المنفصل عن السياق، فإنها قد تتحول إلى شكل من الاغتراب، لا التحرر. وحين تُرفض باسم القيم دون تمييز، فإنها تُغلق أفق التطور. بهذا المعنى، فإن المعضلة الفلسطينية ليست صراعًا بين الحرية والقيم، بل أزمة في الوعي بالعلاقة الجدلية بينهما.
إن ما يجعل هذه العلاقة أكثر تعقيدًا هو التحول الرقمي الذي أعاد تشكيل المجال العام. لم يعد الفلسطيني محكومًا فقط بفضائه المحلي، بل أصبح جزءًا من فضاء كوني مفتوح، تُطرح فيه نماذج متعددة للعيش، والهوية، والحرية. هذا الانفتاح أوجد فجوة بين جيل تشكّل وعيه في سياق النضال الجمعي الصلب، وجيل جديد يسعى إلى تعريف ذاته خارج القوالب الجاهزة، دون أن يتخلى بالضرورة عن قضيته. هذا الجيل لا يرى في الحرية تهديدًا للهوية، بل شرطًا لإعادة بنائها، لكنه يصطدم أحيانًا ببنية قيمية لم تُحدّث أدواتها التأويلية.
في هذا التوتر، تتجلى أزمة أعمق: أزمة في إنتاج المعنى. فالمجتمع الذي يعيش تحت ضغط دائم يميل إلى تثبيت معانيه، لا إلى مساءلتها، لأنه يرى في الاستقرار الرمزي شرطًا للصمود. لكن هذا التثبيت، إذا طال، يتحول إلى جمود، ويُفقد القيم قدرتها على التفاعل مع الواقع المتغير. وهنا، يصبح الخطر مزدوجًا: تفكك بطيء من الداخل، أو انفجار مفاجئ نتيجة تراكم التناقضات.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الوعي الفلسطيني ليس في الاختيار بين القيم والحرية، بل في إعادة تأسيس العلاقة بينهما على قاعدة فلسفية جديدة. قاعدة ترى في القيم إطارًا مفتوحًا للتأويل، لا نصًا مغلقًا، وفي الحرية ممارسة مسؤولة، لا انفصالًا عن السياق. فالقيم التي لا تحتمل النقد تفقد أخلاقيتها، والحرية التي لا تعترف بالآخر تفقد إنسانيتها.
إن ما يحتاجه الفلسطيني، اليوم، هو شجاعة فكرية تعادل شجاعته السياسية؛ شجاعة تعيد طرح الأسئلة المؤجلة، لا لتقويض الجماعة، بل لتحريرها من ثقل المسلّمات. فالمجتمع الذي يسعى إلى التحرر من الخارج، لا يمكنه أن يؤجل تحرره من الداخل إلى ما لا نهاية. لأن الحرية، في جوهرها، ليست محطة نهائية، بل ممارسة يومية تُبنى في قلب التناقض.
في النهاية، تبدو الحالة الفلسطينية كأنها تعيش على حدّ سكين فلسفي: إذا انحازت كليًا إلى القيم، خنقت الفرد؛ وإذا انحازت كليًا إلى الفرد، خاطرت بتفكك الجماعة. وبين هذين الحدّين، لا يوجد حل جاهز، بل مسار دائم من التفاوض الأخلاقي، حيث يُعاد تعريف الإنسان، لا ككائن تابع أو منفصل، بل كذات حرة داخل جماعة حية. هنا فقط، يمكن أن يتحول الصراع من عبء إلى إمكانية، ومن مأزق إلى أفق.

أحدث الأخبار