راديو وتلفزيون البلد
“الحق”: اجراء المحاكمات بالوسائل الالكترونية دون تهيئة بنية تحتية مستجيبة يشكل هدراً لضمانات المحاكمة العادلة ويربك إجراءات التقاضي
أثار القرار بقانون المعدّل لقانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، الصادر بموجب القرار بقانون رقم (22) لسنة 2026، جملة من المخاوف القانونية والحقوقية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وآليات تطبيق التعديلات في ظل التحديات التي يواجهها قطاع العدالة الفلسطيني. وفي ورقة موقف، دعت مؤسسة الحق إلى إلغاء القرار بقانون، محذّرة من أن تطبيقه دون تهيئة البنية التحتية وتوفير الموارد والكفاءات اللازمة قد يؤدي إلى إرباك إجراءات التقاضي والمساس بحقوق المتهمين والضحايا والشهود، ومؤكدة ضرورة فتح حوار وطني ومجتمعي لإعداد تعديلات تضمن تسريع التقاضي دون الانتقاص من ضمانات العدالة.
وتابعت مؤسسة الحق صدور القرار بقانون رقم (22) لسنة 2026 بشأن تعديل قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، والمنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في العدد ممتاز رقم 38، بتاريخ 20/10/2026. والذي يأتي بعد جدل واسع واكب مناقشات تعديله منذ العام 2022، الأمر الذي أدى إلى الغاء التعديلات التي تمت في ذلك الوقت، لما لها من أثر على ضمانات المحاكمة العادلة في النظام القانوني الجزائي الفلسطيني، وبمراجعة القرار بقانون المذكور وما تضمنه من تعديلات تبدي “الحق” موقفها على النحو التالي:
1. تؤكد “الحق” على موقفها بشأن معارضتها استمرار إصدار القرارات بقانون المخالفة للقانون الأساسي وبخاصة المادة (43) منه التي نظمت حالات إصدار القرارات بقانون؛ المتمثلة بحالة الضرورة التي لا تقبل التأخير، والتي لا تنطبق على حالة إصدار هذا القرار بقانون أيضاً، وبدورها ستلقي بعبء كبير على المجلس التشريعي القادم للتعامل مع أكثر من 500 قرار بقانون صدرت في الضفة وأكثر من 100 قانون صدر في قطاع غزة، وما رتبته هذه التشريعات من أثر قانوني على المراكز القانونية للمواطنين والمؤسسات العامة والخاصة، وذلك في ظل صدور مرسوم إجراءات الانتخابات التشريعية والرئاسية.
2. تشير “الحق” إلى حالة الارباك التشريعي الحاصل، حيث جرى صدور القرار بقانون المعدل في ظل غياب الشفافية والمشاركة المجتمعية في إعداده وإقراره، رغم التصريحات الحكومية السابقة بشأن تعزيز التشاور المجتمعي في التشريعات والأنظمة، وإنشاء المنصة التشريعية الإلكترونية في وزارة العدل لهذه الغاية.
3. تؤكد “الحق” أن تحديات وإشكاليات قطاع العدالة وقلة ثقة المواطنين به، مرده الخلل البنيوي الحاصل في العديد من مكونات قطاع العدالة، وقلة الموارد، ونقص الكادر المؤهل، وضعف البنية التحتية، وعدم احترام قرارات المحاكم، وأن الرؤية القائمة على الاستمرار في تعديل التشريعات والقوانين كسبيل للخروج من الوضع الراهن بشأن طول أمد التقاضي؛ وجودة الأحكام؛ واحترام ضمانات المحاكمة العادلة؛ لن يحقق الهدف المنشود، وأن الوسيلة للخروج من الحالة القائمة يتطلب جرأة وإرادة جادة لحوار شامل بشأن قطاع عدالة فاعل وقوي ومستقل قادر على تحقيق الوصول للعدالة الناجزة للمواطنين كافة، وبخاصة في ظل استمرار جريمة الإبادة الجماعية التي تعرض لها شعبنا في السنوات الأخيرة، إضافة لتحديد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
4. ترى “الحق” في التعديلات التي تضمنها القرار بقانون من حيث طبيعتها والهدف المرجو منها ذات رؤية إيجابية لغاية تسريع إجراءات التقاضي وسرعة إنجاز المحاكمات ووصول المتقاضين للعدالة الناجزة، وأن هذه الغاية الإيجابية يجب أن يرافقها تهيئة للبنية التحتية لقطاع العدالة سواء في المحاكم أو مراكز الإصلاح والتأهيل أو النظارات ومراكز الشرطة، أو المراكز الموحدة لحماية الأحداث والنساء من العنف، كذلك تهيئة كوادر فنية للتعامل مع كل ما هو مرتبط بهذه التعديلات، وهي متطلبات لا تتوافر بالقدر اللازم في الوقت الراهن، وتستدعي تخصيص الموازنات الكافية، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، التي يجب أن تكون متسقة ومنسجمة مع الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة والوصول للعدالة الناجزة.
5. ترى “الحق” أن إقرار هذه التعديلات دون إجراء التهيئة المستجيبة للبنية التحتية المتسقة مع الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة؛ سوف يحدث ارباكا في مكونات قطاع العدالة، ويجعل من إجراءات التقاضي محلاً للاجتهاد؛ واتخاذ قرارات غير مستجيبة للتعديلات الجديدة، بما يفقدها قيمتها والغاية التي أُقرّت من أجلها، ويهدر ضمانات المحاكمة العادلة المقرّة بموجب القانون الأساسي والاتفاقيات الأساسية لحقوق الإنسان التي انضمت لها دولة فلسطين؛ وتُذكر “الحق” بتجربة قرار بقانون قضاء الأحداث الفلسطيني رقم (4) لسنة 2016، الذي مضى على إقراره عشر سنوات دون استكمال تهيئة البنية التحتية والمتطلبات المؤسسية اللازمة لتطبيقه، بما يشمل المحاكم والنيابات العامة والشرطة ودور الرعاية، الأمر الذي حال دون إنفاذ أحكامه على النحو الذي يحقق الغايات التي شُرّع من أجلها.
6. تؤكد “الحق” على ضرورة ضمان اضطلاع المحكمة والنيابة العامة بدورهما في حماية حق المتهمين في السلامة الجسدية، والتحقق من عدم تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة، ووجوب النص صراحة على هذه الضمانة في أي تعديلات تشريعية تمس إجراءات مثول المتهمين أمامهما، بينما خلت التعديلات من هذه النصوص والتي من شأنها هدر ضمانة أساسية للمتهمين بشأن الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب والتي تعد باطلة وفق القانون، ويحرم المتهمين من إثبات تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة؛ ليس فقط من خلال الإفصاح عما تعرض له فحسب، بل يحرمه أيضا من وسيلة أساسية لإثبات ذلك، من خلال المعاينة المباشرة لآثار التعذيب أو سوء المعاملة على أجسادهم أمام النيابة العامة والإفادة بشأنها أمام المحكمة.
7. تعبر “الحق” عن قلقها من التعديلات التي تضمنها القرار بقانون وبخاصة تلك التي شملت إمكانية استخدام الوسائل التكنولوجية في جميع الإجراءات الجزائية وبخاصة مع المتهمين الواردة في المادة (12) من التعديل، بما فيها الاستجواب الأولي أمام النيابة العامة، وما ينطوي على هذا الاجراء من خطورة في ظل الواقع القائم بشأن الاعتقالات السياسية والموقوفين لدى الأجهزة الأمنية المختلفة، بما يثير تساؤلات بشأن الأماكن التي سيتم فيها سماع المتهمين، والضمانات المقررة لهم أثناء تواجدهم في هذه الأماكن، وبخاصة أن ذات المادة أوجدت للمحامي حرية الاختيار بالتواجد سواء في مكان تواجد المتهم أو في قاعة المحكمة المخصصة لذلك، بما يجعل من ضمانة التحقق من واقع المتهمين، وحرية إرادتهم، وعدم الشعور بالخوف، أو أي تأثيرات خارجية أثناء تقديم إفادتهم أمام النيابة العامة من خلال وسائل التكنولوجيا، غير متفقة مع الضمانات المتعلقة بالقبض والتوقيف الواردة في القانون الأساسي واتفاقيات حقوق الإنسان التي انضمت لها دولة فلسطين.
8. تعرب “الحق” عن قلقها إزاء التعديلات التي تضمنت الاستماع للضحايا من قبل النيابة العامة والمحكمة وجوبياً، عبر وسائل التكنولوجيا، وبخاصة في الجرائم الواقعة على العرض، دون مراعاة خصوصية الضحايا واحتياجاتهم، فقد حدد القانون الأماكن بمراكز الإصلاح والتأهيل للموقوف؛ والمحاكم بالنسبة لسائر الأشخاص المشمولين بالمادة (12)، بما يعني إلزام الضحايا، بمن فيهم النساء، بالحضور إلى مقار المحاكم للإدلاء بإفادتهن أمام النيابة العامة وجلسات المحاكم، مما يجعل من التعديل بالنسبة لهن غير ذي جدوى، ولا يغير من واقع الحال بالنسبة للضحايا وبخاصة النساء منهن. وترى “الحق” أنه كان من الأجدى أن يكون هناك صلاحية للنيابة المختصة لتحديد المكان الملائم للاستماع للضحايا النساء من قبيل المراكز الموحدة لحماية الأسرة في المحافظات التي تتبع الشرطة، أو من خلال دور الحماية التي تتبع وزارة التنمية الاجتماعية، بما يحقق الهدف المرجو من هذا التعديل، ويراعي خصوصية الضحايا وسلامتهن.
9. تعبر “الحق” عن قلقها من التعديلات التي وسعت من نطاق التدابير بحق الشهود وتشدد العبء المالي عليهم، مع التفهم الخاص بما يسببه عدم حضور الشهود وبخاصة من الضبط القضائي لجلسات المحاكمة من تعطيل للمحاكمات وتعطيل الوصول للعدالة الناجزة. إلا أن فرض الغرامات والتدابير دون أن تقترن بضمانات واضحة تكفل مراعاة الأعذار المشروعة والتناسب بين المخالفة والتدبير المتخذ. يثير مخاوف جدية من التطبيق التعسفي، خصوصا في الحالات التي يكون فيها التخلف عن الحضور خارجاً عن إرادة الشاهد. وعليه، يتطلب إخضاع هذه الصلاحيات لمبدأي الضرورة والتناسب، اتساقاً مع المادتين (9) و(14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بإعادة النظر في النص لضمان التدرج في تدابير الإحضار، وتسبيب قرارات فرض الغرامة، وتمكين الشاهد من إبداء عذره قبل فرضها، بما يمنع استخدام التدبير بصورة غير متناسبة ويصون ضمانات العدالة الإجرائية، وبخاصة ما يعانيه المواطن الفلسطيني من إجراءات من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
10. تدعو “الحق” إلى الغاء القرار بقانون المعدل لقانون الإجراءات الجزائية، والعمل على ‘إعداد دراسة جدوى بشأن استخدام وسائل التكنولوجيا في إجراءات المحاكم والنيابة العامة، والعمل على توفير الموارد اللازمة وتهيئة البنية التحتية المستجيبة لضمانات المحاكمة العادلة، وفتح حوار مع كافة الجهات الرسمية والمجتمع المدني بشأن التعديلات المطلوبة، وتحضير مسودة مشروع معدل ليكون جاهزاً لعرضه على المجلس التشريعي القادم لضمان تطبيقه في جميع الأرض الفلسطينية المحتلة.
ظهرت المقالة “الحق”: اجراء المحاكمات بالوسائل الالكترونية دون تهيئة بنية تحتية مستجيبة يشكل هدراً لضمانات المحاكمة العادلة ويربك إجراءات التقاضي أولاً على راديو وتلفزيون البلد.








