التحوّل الإقليمي في المرآة الفلسطينية .. مهند عبد الحميد

التحوّل الإقليمي في المرآة الفلسطينية .. مهند عبد الحميد


بعد كل حرب، يفترض أن تراجع النخبة السياسية والفكرية التغيرات التي أحدثتها الحرب إيجابا وسلبا، كي تكون الاستجابة والرد في الاتجاه الصحيح.  في كل الأحوال، من غير المنطقي أن تقرأ الوقائع على مقاس الرغبات وتحكيم العاطفة بدلا من تحكيم العقل، وبقاء الخطاب ذاته والشعارات ذاتها وكأن شيئا لم يكن. صحيح أن هدف الخلاص من الاحتلال وتقرير المصير هدف ثابت، وصحيح أن بناء علاقات ديمقراطية بين أقطاب الحركة السياسية يندرج ضمن الأهداف التي لا يمكن التراجع عنها وما عدا ذلك كل شيء قابل للنقاش والتطوير والتعديل بين النخب والعناصر الحية.
يطيب للبعض أن يتحدث عن فشل أميركا وإسرائيل في تحقيق أهدافهما من الحرب، وأن المنطقة على أبواب تحول إقليمي كبير. قد يكون الفشل من بعض الزوايا صحيحا، كالفشل في إسقاط النظام الإيراني وإخضاعه، وصياغة شرق أوسط جديد بمواصفات غطرسة القوة وتحت الجزمة الإسرائيلية، وكذلك من زاوية فشل القواعد الأميركية والاتفاقات الإبراهيمية في صد الهجمات الإيرانية عن دول الخليج، ما دفع السعودية إلى إبرام اتفاقية دفاع مع باكستان وتركيا. وهنا يتم تجاهل إخفاق الاستراتيجية الإيرانية ومحورها المقاوم، حتى وإن امتلكت ورقة مضيق هرمز وباب المندب، والقدرة على تهديد مراكز الطاقة والبنية التحتية الخليجية وتحويل دول الخليج العربي من مكان آمن للاقتصاد المتعدد الجنسيات إلى مكان غير آمن.
زاوية النظر التي تقاس بها الأمور عند الحديث عن نظام إقليمي جديد هو موقع القضية الفلسطينية في هذا النظام. فقد خلت وثيقة التفاهم الأميركية الإيرانية من أي ذكر لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بينما أصرت ايران على تضمين وقف إطلاق النار مع «حزب الله» في البند الأول.
هل سقطت فلسطين سهوا؟ أو كفّت عن الاستخدام الإيراني لها كورقة للاستقطاب والتعبئة وتوسيع النفوذ. لقد خسرت ايران «الورقة الفلسطينية»،  وخسرت سورية بعد سقوط نظام الأسد، وتكاد أو على أبواب خسارة الدور المناط بأهم أذرع ايران في الإقليم وهو ــ «حزب الله» ــ. الخسارة تمتد إلى ميليشيات العراق واليمن كوظائف وأدوار في خدمة النظام الإيراني. عندما نتحدث عن نظام إقليمي جديد، بعد الفشل الأميركي الإسرائيلي في تحقيق أهداف الحرب، لا يمكن استثناء فلسطين وسورية والعراق ولبنان واليمن التي شهدت دمارا وتغييرا جيوسياسيا. ماذا نسمي وثيقة ترامب المعتمدة بقرار مجلس الأمن وخارطة طريق مجلس السلام الذي يقوده ترامب، علما أن الخطة والخارطة تنص على أهداف إسرائيل من الحرب، وهي إقصاء حركة حماس من الحكم ونزع سلاحها وفرض وصاية على الوضع الفلسطيني في قطاع غزة والضفة؟.    
نعيش حالة من الاستفراد الإسرائيلي بالوضع الفلسطيني، حيث تواصل إسرائيل تفكيك البنية السياسية والعسكرية والإدارية والمجتمعية في قطاع غزة بالقوة وبالحصار الخانق، وتستبيح الضفة الغربية بالطول والعرض، وتفصلهما عن بعضهما البعض. وتفصلهما عن مطلب إنهاء الاحتلال وكل حديث عن دولة أو شبه دولة. التحول نحو المزيد من الفاشية والعنصرية، والاتفاق بين المعارضة ومعسكر نتنياهو على رفض الحل الدولي للصراع وعلى التنكيل بالشعب الفلسطيني مع تباين كمي في المواقف.  
في مؤتمر الأمن القومي الإسرائيلي الأخير، كان من اللافت خواء وإفلاس مواقف زعماء الأحزاب الإسرائيلية عندما طلب منهم الإجابة عن سؤال ما هو الحل للوضع الذي تعيش فيه دولة إسرائيل؟. لم يتطرقوا إلى الاحتلال  والسيطرة على شعب آخر أو كيفية حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كانت إجابة يائير غولان المحسوب على اليسار في الاتجاه نفسه حين اعتبر الحل بالانفصال عن الفلسطينيين من أجل ضمان دولة يهودية وديمقراطية وترتيبات إقليمية تعزز أمن الدولة.    
نجح نتنياهو في تجميد وتهميش البنود التي تؤدي إلى حل الدولة الفلسطينية، عندما شطب البند 21 في خطة ترامب الذي ينص على عدم جواز ضم الضفة الغربية لإسرائيل، واتخذ معسكره مجموعة من القرارات التي تكرس الضم الفعلي، وتقييد عمل محكمة العدل الدولية متجاوزا توصياتها، وخاض معركة مع محكمة الجنائية الدولية، ومع منظمة «الأونروا»، واختزل دور قوة الاستقرار الدولية في 200 جندي حتى الآن وقد اصبح دورها رمزيا.
تأثر الموقف الأميركي بالتدخلات الإسرائيلية التي كان لها قصب السبق في المبادرة والفعل والتأثير وتركت بصمات قوية على الموقف الأميركي. وكان لا بد من معادل دولي وعربي وفلسطيني مضاد للتدخلات والضغوط الإسرائيلية.   لم يوقف الرد العربي والدولي أعمال القتل والتدمير وتوسيع رقعة الاحتلال في قطاع غزة ولم يوقف الغزو الاستيطاني واستباحة الأرض والتطهير العرقي في الضفة الغربية فضلا عن قرصنة الأموال والسيطرة على الموارد وسرقة الأغنام والمحاصيل.
لم يَرْقَ مستوى التدخل والتأثير في الموقف الأميركي إلى وقف العدوان والقتل والاستباحة، فقط بيانات ومناشدات لا تجد أذنا صاغية، كان أقصى تأثير هو منع الحكومة من استصدار قرار برلماني بضم الضفة الغربية رسميا، مع أن الضم الفعلي على الأرض سار على قدم وساق وكان اسرع من النار في الهشيم. وأدت التدخلات أيضا إلى تمديد تغطية البنوك الإسرائيلية للبنوك الفلسطينية والعربية لتفادي انهيار اقتصادي شامل، وفعّلَت جهود الوسطاء خطة ترامب عبر خارطة طريق صدرت عن مجلس السلام، ولكن سرعان ما رفضتها الحكومة و54% من المجتمع الإسرائيلي بحسب استطلاعات الرأي. النجاح في منع الضم الرسمي للضفة، وتجديد عمل البنوك أصبحا ممكنين وسهلين على خلفية رفض اتجاهات إسرائيلية ومستوى من المؤسسة الأمنية وفريق داخل إدارة ترامب. كانت الفجوة الأكبر في الموقف الدولي والعربي هي عدم خوض معركة سياسية على غرار المبادرة الفرنسية السعودية، وعدم تأمين الدعم البديل الكفيل باختراق الحصار الخانق الذي بدأ يفعل فعله في تماسك المؤسسات المدنية وبخاصة التعليم والصحة.
بعد إقناع «حماس» الالتزام بخطة مجلس السلام المكونة من 15 بندا، والتي ينص بعضها على تسليم حكم «حماس» للجنة التكنوقراط، ونزع السلاح بكل أنواعه، مقابل وقف إطلاق النار والانسحاب إلى الخط الأصفر، رغم ذلك أصر نتنياهو على مواصلة الاعتداءات وعلى أسبقية نزع السلاح قبل أي انسحاب لجيش الاحتلال. وفي الوقت نفسه، بدأت حكومة الاحتلال بشق طريق آخر بالتعاون مع دولة الإمارات لإقامة منطقة تجريبية في مدينة رفح لا تسيطر عليها «حماس»، وما يعنيه ذلك في حالة تنفيذه من شق قطاع غزة إلى شطرين وبقاء الاحتلال في أكثرية مساحة القطاع.
وللحديث بقية   

أحدث الأخبار