التحالف… والانتخابات بوصفها نافذة للعودة بقلم محمد المصري

التحالف… والانتخابات بوصفها نافذة للعودة بقلم محمد المصري

التحالفات الانتخابية، في أصلها، ممارسة سياسية مشروعة، بل قد تكون ضرورة في الأنظمة التي تقوم على التمثيل النسبي الكامل. لكن ثمة فارق جوهري بين تحالف يُعلن قبل الانتخابات، بهدف خوضها بقائمة واحدة، وبين تحالفات تُبنى بعد ظهور النتائج، استناداً إلى موازين القوى التي يفرزها صندوق الاقتراع. وهذا الفارق مهم في الحالة الفلسطينية، لأن السؤال لا يتعلق فقط بمن يتحالف مع من، بل بما يعنيه هذا التحالف سياسياً، ولمن يوجّه رسالته، وما الذي يريد أن يقوله قبل أن يقول الصندوق كلمته.

التحالف الذي أُعلن أخيراً لخوض الانتخابات التشريعية القادمة ليس، في جوهره، تحالفاً جديدا بالكامل. فمعظم مكوناته كانت حاضرة، بأدوار متفاوتة، في المشهد السياسي الفلسطيني منذ أوسلو، والجديد الأبرز فيه هو دخول تيار محمد دحلان إلى هذه المعادلة. ومن هنا فإن قراءة التحالف باعتباره مجرد تجمع انتخابي عابر قد لا تكون كافية لفهم دلالته السياسية الأوسع.

فهذا التحالف، بمكوناته المختلفة، كان حاضراً في إدارة المشهد الفلسطيني في غزة منذ الانقسام، وبأدوار ودرجات مسؤولية متفاوتة، وصولاً إلى الترتيبات التي أفضت إلى اتفاق مجلس السلام وما تبعه من صيغة «غزة الآن». وهو، في المحصلة، جزء من مسار سياسي انتهى إلى إنهاء دوره السياسي والميداني المباشر في إدارة غزة. ولذلك تبدو الانتخابات التشريعية القادمة، بالنسبة إلى أطراف هذا التحالف، واحدة من النوافذ الأساسية المتبقية للعودة إلى المشهد السياسي الرسمي.

وهنا تحديداً تكمن دلالة الإعلان المبكر عن التحالف.

فالإعلان، في تقديري، لا يخاطب الشارع الفلسطيني وحده، وربما لا يكون الشارع هو المخاطَب الأول فيه. الرسالة الأهم موجهة إلى الخارج: نحن قادرون على إعادة إنتاج أنفسنا داخل الصيغة السياسية الجديدة، ونقبل بشروط اللعبة الانتخابية، بما فيها التعهدات المطلوبة، ونستطيع أن نكون جزءاً من السلطة الفلسطينية المقبلة، بل أن نقودها.

بمعنى آخر، يريد التحالف أن يقدم نفسه باعتباره طرفاً قابلاً للاندماج في المعادلة السياسية التي يجري تشكيلها، لا طرفاً يريد نسفها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم القبول بالشروط التي وضعتها القيادة الفلسطينية، لأن العودة إلى النظام السياسي الرسمي تمر، عمليًا، من بوابة الانتخابات.

لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو: هل الجميع ضد فتح؟

سياسياً، لا أعتقد ذلك.

فالواقع الفلسطيني الراهن أكثر تعقيدا من ثنائية «فتح في مواجهة الجميع». صحيح أن هناك خصومات وصراعات وتنافساً على النفوذ والتمثيل، لكن معظم القوى الفلسطينية تجد نفسها اليوم أمام مسار سياسي إجباري، وإن اختلفت في طريقة التعامل معه ومحاولات الهروب من استحقاقاته. المسألة لم تعد فقط صراعاً بين مشاريع سياسية متناقضة، بل أصبحت أيضا صراعاً على كيفية إدارة مرحلة انخفض فيها السقف السياسي العام، بينما تراهن الأطراف جميعها على أن تغيرات الإقليم والدولي قد تفتح لاحقاً أبواباً مختلفة.

ومن هنا أيضا لا أعتقد أن الهدف المباشر للتحالف هو «الإطاحة بمشروع فتح» بالمعنى السياسي الكامل. ففتح نفسها دخلت منذ أوسلو في مسار سياسي محدد، واليوم تجد القوى الفلسطينية المختلفة نفسها، بدرجات متفاوتة، داخل مسار أقل سقفا سياسياً، مع اختلاف الرهانات والأدوات.

أما القول إن هذا التحالف سيحقق بالضرورة فوزا في الانتخابات، فهو استنتاج مبكر لا تؤيده المعطيات وحدها.

فالتحالفات الانتخابية ليست جمعاً حسابياً للأصوات. إنها أيضا مشكلة توزيع المقاعد، وترتيب الأسماء، ونسب التمثيل بين مكونات التحالف، وتحديد من يتقدم ومن يتراجع. وسيجد التحالف نفسه أمام سؤال حساس: هل تُمنح المواقع المتقدمة للقيادات التاريخية التي تمتلك رصيدا سياسياً واعلامياً، أم للقيادات الجديدة والمحلية التي قد تكون أكثر التصاقاً بالشارع؟ وهل يستطيع الجمع بين تيارات وتجارب وشخصيات متفاوتة من دون أن يتحول التحالف نفسه إلى مصدر للتنافس الداخلي؟

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا على فتح أن تفعل؟

لا يمكن التعامل مع الانتخابات المقبلة بمنطق «الكل ضد البطل»، كما لا يمكن لفتح أن تفترض أن تاريخها النضالي والسياسي يكفي وحده لحسم الصندوق. فتح تواجه اليوم سؤالاً حقيقيا حول طريقة خوض الانتخابات، خصوصا في ظل حجم الانتقادات التي راكمتها نتيجة إدارتها للسلطة خلال السنوات الماضية.

الشارع الفلسطيني لا يبحث فقط عن أسماء جديدة، بل عن معنى جديد للسياسة.
فالشارع يريد تغييرا يلمسه في الميدان، لا تغييرا في المواقع فقط.

يريد إجراءات الاحتلال أن تتغير بما ينعكس على حياته وأمنه وكرامته.

ويريد رفاهية تصل إلى الناس، لا أن تبقى امتيازاً للمسؤولين.

ويريد أن يشعر أن مطالبه تُسمع وتُناقش وتُترجم إلى سياسات، لا أن تتحول الانتخابات إلى موسم جديد للخطابات.

ويريد أيضا قيادة تدرك الفرق بين امتلاك الإرادة السياسية وبين امتلاك القدرة على فرض السياسات على العالم. نحن أصحاب قضية وإرادة وحق، لكننا لسنا دولة عظمى تحدد وحدها سياسات الدول وموازين النظام الدولي. والواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الثوابت، كما أن التمسك بالثوابت لا يعني تجاهل موازين القوة.

لهذا فإن المعركة الانتخابية القادمة لن تكون فقط بين فتح والتحالف، ولا بين قائمة وأخرى. إنها، في جوهرها، اختبار لمدى قدرة كل طرف على تقديم إجابة مقنعة عن سؤال المستقبل.

التحالف مطالب بأن يثبت أن اجتماع أطرافه ليس مجرد محاولة للعودة إلى السلطة، بل يمتلك رؤية مختلفة لإدارة المرحلة.

وفتح مطالبة بأن تثبت أن لديها القدرة على مراجعة تجربتها، وتجديد خطابها، وإعادة بناء علاقتها بالناس، لا الاكتفاء باستدعاء تاريخها.

أما الشعب الفلسطيني، فهو صاحب الكلمة الأخيرة.

فكلا الطرفين يعرفان معنى إدارة جزء من الوطن تحت الاحتلال، وكلاهما يحمل تجربة في الحكم والسياسة، وكلاهما يعرف أن الانتخابات ليست مناسبة لتبادل الاتهامات بقدر ما هي لحظة لتحمل المسؤولية.

في النهاية، لن يكون السؤال: من تحالف مع من؟

بل: من يستطيع إقناع الفلسطيني بأن الغد، معه، سيكون أفضل من الأمس؟

وهنا فقط يبدأ الامتحان الحقيقي للصندوق.

أحدث الأخبار