لم تكن الانتخابات النصفية الأمريكية مجرد اختبار لشعبية الرئيس دونالد ترامب، أو مناسبة لإعادة توزيع المقاعد بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس. فقد حملت نتائجها أبعادًا تتجاوز الحدود الأمريكية، لتطرح أسئلة حول مستقبل السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وحدود السلطة الرئاسية، وقدرة واشنطن على مواصلة إدارة صراعات الشرق الأوسط بالأساليب ذاتها. ومع فوز الديمقراطيين في الانتخابات، تبدو واشنطن أمام مرحلة جديدة من الانقسام السياسي. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب قد خسر معركة داخلية، بل ما إذا كانت هذه الخسارة ستدفعه إلى مراجعة سياساته الخارجية أم إلى التشدد فيها لإثبات قدرته على تجاوز القيود السياسية. فالانتخابات قد تغيّر موازين القوة داخل واشنطن، لكنها لا تغيّر بالضرورة المصالح الاستراتيجية التي تحكم سلوكها في العالم.
ولعل إحدى أهم دلالات هذه الانتخابات أن الناخب الأمريكي لم يعد بعيدًا عن تداعيات الحروب التي تخوضها بلاده أو تنخرط فيها. فالحرب مع إيران، وما رافقها من أعباء اقتصادية وسياسية، أعادت طرح العلاقة بين القوة العسكرية والقدرة على تحقيق نتائج سياسية مقبولة. وهنا يبرز السؤال: ماذا يحدث عندما تتحول تكلفة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط إلى عامل مؤثر في خيارات الناخبين أنفسهم؟ تلك هي معضلة ترامب؛ فالتراجع قد يُفسَّر اعترافًا بالفشل، بينما قد يؤدي الاستمرار إلى تعميق الأزمات التي أضعفت موقعه السياسي. ولذلك، قد يبحث عن إنجاز دبلوماسي يعيد تقديمه صانعًا للسلام، أو يلجأ إلى التصعيد لاستعادة المبادرة. وفي الحالتين، ستظل حسابات الداخل الأمريكي حاضرة في قراراته الخارجية.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا ينبغي الاعتقاد بأن تقدم الديمقراطيين سيقود إلى تحول جذري في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، فالدعم الأمريكي يتجاوز الانتماءات الحزبية. ومع ذلك، قد يفرض تراجع الغطاء التشريعي لسياسات ترامب قيودًا على بعض السياسات الإسرائيلية، خصوصًا العمليات العسكرية والاستيطان والمساعدات العسكرية. وقد يدفع ذلك بعض القوى الإسرائيلية إلى مراجعة حساباتها، بينما تسعى قوى أخرى إلى تسريع خطواتها قبل تغير البيئة السياسية الأمريكية. أما إيران، فقد تقرأ النتائج باعتبارها مؤشرًا على تراجع قدرة ترامب على مواصلة المواجهة العسكرية، وفرصة لانتزاع تسوية بشروط أفضل. غير أن الخلط بين ضعف الرئيس سياسيًا وتراجع القدرة العسكرية الأمريكية قد يقود إلى حسابات خاطئة. وهكذا، قد يجد الشرق الأوسط نفسه أمام إعادة تموضع لا تعني بالضرورة اقتراب التسوية، بل ربما الاستعداد لجولة جديدة من المساومات والصراعات.
أما نحن الفلسطينيين، فالسؤال أكثر تعقيدًا. فمن الخطأ الاعتقاد بأن تقدم الديمقراطيين يمثل تحولًا تلقائيًا لصالح الحقوق الفلسطينية، كما سيكون من الخطأ تجاهل الفرص التي قد يتيحها لمساءلة السياسات الإسرائيلية وإعادة طرح الأوضاع في غزة والضفة الغربية. لكن ذلك لا يعني انتقال واشنطن من إدارة القضية الفلسطينية إلى العمل الجاد على تسويتها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل يمتلك الفلسطينيون رؤية سياسية موحدة قادرة على تحويل التغيرات داخل الولايات المتحدة إلى مكاسب وطنية؟ لقد اعتادت السياسة الفلسطينية انتظار التحولات الخارجية، سواء بتغير الإدارات الأمريكية أو موازين القوى الإقليمية أو تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل. لكن ما قيمة هذه الفرص إذا لم تتوافر استراتيجية وطنية قادرة على استثمارها؟ فالمسألة ليست في وصول الديمقراطيين أو الجمهوريين إلى السلطة، بل في قدرتنا على بناء مشروع سياسي يجعل حقوقنا ومصالحنا حاضرة في حسابات القوى الدولية، بدلًا من بقائها رهينة لتوازناتها. وربما يكون الأثر الأسرع لهذه الانتخابات خارج الولايات المتحدة لا داخلها؛ فبينما يحتاج تغيير السياسة الأمريكية إلى وقت وصراع مؤسسي، تستطيع القوى الإقليمية إعادة تقييم خياراتها فورًا. فدول الخليج قد توسع هامش المناورة الدبلوماسية، وإسرائيل قد تعيد حساباتها بشأن حدود الدعم الأمريكي، وإيران قد تختبر فرص التفاوض أو المواجهة. لكن إعادة الحسابات لا تعني بالضرورة تغيير التحالفات، فالمصالح الاستراتيجية لا تتبدل بمجرد تغير النتائج الانتخابية.
في النهاية، قد لا تكمن أهمية الانتخابات النصفية في أنها ستغيّر سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، بل في أنها كشفت أن استمرار هذه السياسة لم يعد منفصلًا عن تكلفتها الداخلية. فالقوة العسكرية تستطيع تغيير الوقائع، لكنها لا تضمن تحقيق الأهداف السياسية. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل دول المنطقة، والفلسطينيين خصوصًا، ليس ما الذي سيفعله ترامب بعد الانتخابات، بل كيف يمكن التعامل مع الولايات المتحدة في ظل موازين قوة داخلية جديدة؟ فالانتخابات الأمريكية قد تفتح فرصًا جديدة، لكنها لا تصنع وحدها مستقبل الشرق الأوسط؛ ذلك المستقبل يتوقف أيضًا على قدرة شعوبه وقواه السياسية على الانتقال من انتظار التحولات الدولية إلى المشاركة في صناعة نتائجها.
