مدار نيوز \تقرير عرب 48 \
في الأغوار الشمالية، تتداخل الحكايات الفردية لتشكل مشهدا واحدا من التوتر الدائم على الأرض، حيث يرى السكان الفلسطينيون أن وجودهم بات مهددا بفعل توسع الاستيطان، وتكثيف اعتداءات المستوطنين، وما يرافق ذلك من قيود عسكرية يفرضها الاحتلال الإسرائيلي وسط حصار اقتصادي وحياتيّ متصاعد.
على امتداد قرى الفارسية وعين الغزال وحمصة والحديدية، يتحدث السكان عن واقع لم يعد فيه الفلسطيني قادرا على الحركة بحرية حتى في محيط خيمته. المستوطن، وفق تعبيرهم، يتحول إلى “سيد المكان”، وكما يقولون، يقرر أين يمكن للرعاة أن يتحركوا، وأين تتوقف حدود الفلسطيني، فيما تتحول المراعي والسهول شيئا فشيئا إلى مناطق نفوذ استيطاني مغلقة أمام أصحاب الأرض الأصليين.
يتحدث سكان التجمعات البدوية عن منظومة متكاملة، تجمع بين المستوطنين وجيش الاحتلال والإدارة المدنية ومجالس المستوطنات، حيث تتقاطع الأدوار بين الهجوم على الأرض من جهة، وفرض القيود والإغلاقات من جهة أخرى. وبحسب رواياتهم، لم يعد الأمر يقتصر على اعتداءات متفرقة، بل بات نمطا يوميا يهدف إلى دفعهم نحو الرحيل القسري.
في الأغوار، لا يبدو الصراع مجرد نزاع على مساحة جغرافية، بل معركة على البقاء والوجود. وفي حين تتسع البؤر الاستيطانية يوما بعد آخر، يتمسك السكان بخيامهم القليلة وما تبقى من مراعيهم، في محاولة لمواجهة واقع يقولون إنه صُمم لدفعهم نحو الرحيل، لكنهم ما زالوا يصرون على إفشاله بالصمود والبقاء.

تبدو العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين، وفق ما يراه السكان، علاقة تكامل لا انفصال. “المستوطن والحكومة الإسرائيلية وجهان لعملة واحدة”، فما يجري على الأرض لا يبدو تصرفات فردية معزولة، بل سياسة متواصلة هدفها فرض واقع جديد ينتهي بإفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين.
وسط هذا المشهد، نظمت “مبادرة حرية” جولة ميدانية إلى قرى الفارسية وعين الغزال وحمصة والحديدية، بمشاركة عدد من أعضائها وبالتعاون مع ناشطي الأغوار، في محاولة لإسناد الأهالي الذين يعيشون تحت ضغط يومي متصاعد من عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني.

الطريق إلى تلك التجمعات يكشف جانبا من العزلة التي يعيشها السكان؛ خيام متناثرة، طرق ترابية ضيقة، ومستوطنات تبدو أكثر تنظيما واتساعا، هناك في الأغوار، وثق واستمع خلال الجولة إلى شهادات السكان عن الاعتداءات المتكررة، وسرقة المواشي، وإتلاف المحاصيل، والتضييق المستمر على مصادر الرزق والحياة.
حكاية الصمود في الأغوار
في أقصى الأغوار الشمالية، حيث تمتد التلال الصفراء على اتساع النظر وتتشبث الخيام بالأرض كما لو أنها جزء من صخورها، يقف تجمع نبع غزال البدوي في الفارسية شاهدا على واحدة من أكثر حكايات التهجير القسري قسوة وصمتا.

هنا، لم تعد الحياة كما كانت قبل الحرب على غزة؛ المكان الذي كان يضم 15 عائلة لم يبقَ فيه اليوم سوى عائلتين فقط، بعد أن أُجبرت 13 عائلة على الرحيل نحو طوباس وتياسير، هربا من واقع بات يشبه الحصار المفتوح.
أحمد حسين، البالغ من العمر 53 عاما، يتحدث بصوت يختلط فيه الغضب بالتعب. ولد وترعرع في هذا التجمع، ويعرف تفاصيله كما يعرف راعي الأغوار تضاريس المراعي ومسالك الجبال.
يشير بيده نحو المساحات الممتدة حوله قائلا إن هذه الأرض لم تكن يوما مجرد مكان للسكن، بل حياة كاملة عاشتها العائلات منذ ما قبل قيام إسرائيل.

يقول أحمد إن ما جرى بعد الحرب على غزة لم يكن مجرد تضييقات عابرة، بل عملية منظمة لدفع السكان إلى الرحيل. “لم يبق هنا سوى والدي ووالدتي وعائلتنا، وعائلة عمي”، يقولها فيما تبدو آثار الهدم واضحة في محيط الخيام الباقية. خيام ومنازل من الصفيح سُوّيت بالأرض، بعضها هدمه المستوطنون مباشرة، وبعضها جرى بعد اقتحامات متكررة رافقتها حماية وإسناد من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب روايته، كان هناك “تقاسم أدوار” واضح بين قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين، المستوطنون يهاجمون ويعتدون ويحاصرون، والجيش يعلن المنطقة عسكرية مغلقة ويمنع السكان من الحركة والزراعة ورعي المواشي. هكذا تحولت الحياة اليومية إلى معركة استنزاف طويلة، هدفها دفع الناس إلى ترك أراضيهم طوعا تحت وطأة الخوف والترهيب والعجز.
نبع غزال.. حصار وملاحقة حتى الرحيل
يمتلك أحمد ووالده نحو 120 دونما في التجمع والجبال المحيطة به. كانت الأرض تزرع، وكانت المواشي ترعى بحرية في السهول والمرتفعات. مئات رؤوس الأغنام والماعز كانت تشكل مصدر رزق العائلة واستقرارها.
لكن المشهد تبدل بالكامل. “كنا نعيش بخير وأمان حتى جاءت عصابات المستوطنين وحولت حياتنا إلى جحيم”، يقولها وهو يستعيد سلسلة الاعتداءات اليومية: منع للرعي، إتلاف للمحاصيل، اعتداءات متكررة، وملاحقة لا تتوقف.
وعلى وقع هذا التضييق، كانت مستوطنة “روتم” تتوسع أكثر فوق أراضي السكان، فيما أُقيمت بؤرة استيطانية جديدة على مقربة من التجمع، لا يفصلها عنه سوى الشارع الرئيسي الذي يشق الأغوار. بالنسبة للسكان، لم يكن التوسع الاستيطاني مجرد تغيير جغرافي، بل رسالة مباشرة بأن الأرض تنتزع منهم تدريجيا، وأن ما يحدث ليس عشوائيا.
العائلات التي هاجرت قسرا لم تجد حياة أفضل في أماكن النزوح. بعضها توجه إلى طوباس وتياسير، وأخرى إلى الخليل، لكن أحمد يؤكد أن التهجير لم يكن انتقالا من ضيق إلى فرج، بل من معاناة إلى أخرى. “الناس فقدت كل شيء”، يقول، قبل أن يضيف بأن أقصى الأغوار الشمالية كان يضم قبل الحرب 15 تجمعا بدويا، لم يبقَ منها اليوم سوى 4 تجمعات “محاصرة وتخوض معركة وجود”.
ورغم أن سكان التجمعات البدوية اعتادوا على مضايقات الاحتلال قبل الحرب، إلا أن الأشهر الأخيرة حملت تصعيدا غير مسبوق. الحصار بات أشد، الحركة مقيدة، الوصول إلى الأراضي شبه مستحيل، والمستوطنون ينفذون هجمات يومية تشمل سرقة المواشي وإتلاف المزروعات. الحياة هنا لم تعد تقاس بالأيام، بل بقدرة الناس على الصمود يوما إضافيا.
“لن نرحل”.. معركة البقاء بالأغوار
في التجمع الصغير المتبقي، يعيش نحو 25 طفلا يدرسون في مدرسة عين البيضة. حتى الطريق إلى المدرسة لم يعد آمنا. الحافلة التي تقل الأطفال تتعرض لاعتداءات من المستوطنين خلال مرورها، في مشهد يلخص كيف أصبحت تفاصيل الحياة اليومية محفوفة بالخطر، من الرعي وحتى التعليم.
أما المواشي، التي تمثل العمود الفقري لحياة السكان، فقد تحولت إلى عبء ثقيل بفعل الحصار. عائلة أحمد وعائلة عمه تمتلكان نحو ألف رأس من الأغنام، لكن منع الرعي والزراعة أجبرهما على شراء الأعلاف من بلدة بردلة.
طنّ العلف الواحد يصل إلى نحو 1500 شيكل، فيما تتفاقم أزمة المياه وصعوبة النقل والوصول. يقول أحمد إن المعركة الحقيقية اليوم هي “إبقاء المواشي على قيد الحياة”، لأن المستوطنين، كما يرى، يدركون أن القضاء على المواشي يعني دفع العائلات إلى الرحيل.
ورغم كل ما حدث، لا يبدو الرجل مستعدا للمغادرة. يقف أمام خيمته المتواضعة، وخلفه أرض واسعة باتت شبه خالية من سكانها، ويقول بحزم: “نحن متجذرون هنا، لا يوجد مكان نذهب إليه، ولن نرحل عن أرضنا”.
في الأغوار الشمالية، حيث الصمت يملأ الفراغ الذي تركته العائلات المهجرة، تبدو هذه الكلمات أشبه بمحاولة أخيرة للتشبث بما تبقى من المكان والذاكرة معا.
“عايشين من قلة الموت”.. شهادة من الفارسية
في الفارسية، حيث تمتد الخيام القليلة الباقية وسط أرض أنهكها الحصار والخوف، يجلس المسن حسين زهدي أبو محسن متكئا بعصاه على ذاكرة طويلة من حياة البادية.
يقترب الرجل من العقد الثامن من عمره، لكنه لا يذكر على وجه الدقة متى استقرت عائلته في هذا المكان. كل ما يعرفه أن العائلة تعيش هنا منذ عقود، وأنه فتح عينيه على الدنيا بين هذه السهول والجبال، راعيا ومزارعا وابنا للأغوار.
أبو محسن، الذي أنجب 9 أبناء و4 بنات، لم تعد عائلته مجتمعة كما كانت يوما. بعض أبنائه غادروا إلى طوباس بعدما ضاقت بهم الحياة بسبب اعتداءات المستوطنين وحصار الاحتلال في التجمع البدوي، فيما بقي آخرون يحاولون التشبث بما تبقى من الأرض والخيام والمواشي. يختصر الرجل حالهم بعبارة ثقيلة: “عايشين من قلة الموت”.

يقول أبو محسن إن الحياة هنا تحولت إلى حصار دائم، تتداخل فيه اعتداءات المستوطنين مع إجراءات الاحتلال، حتى بات الناس يعيشون بين الخوف والترقب. “نتعرض للحجر والبشر”، يقولها وهو يصف الهجمات التي لا تتوقف، من الاعتداء على السكان إلى استهداف المواشي والممتلكات.
بعض أبنائه كانوا يقيمون على مساحة تقارب 200 دونم قرب مستوطنة “روتم”، لكنهم أُجبروا على الرحيل “بقوة السلاح”، كما يقول، بعد أن استولى المستوطنون على الأراضي لتوسيع المستوطنة. منذ ذلك الوقت، لم يعد المكان كما كان، وصارت العائلات البدوية تشعر بأنها مطاردة حتى في تفاصيل حياتها اليومية.
“هنا ولدنا وهنا سندفن”
يروي أبو محسن كيف تتحول الليالي في التجمع إلى ساعات حراسة طويلة. “كنا ننام، لكننا نبقى على أهبة الاستعداد”، يقول، موضحا أن الرجال يضطرون للسهر لحماية النساء والأطفال من هجمات المستوطنين.
وفي كثير من الأحيان، تندلع النيران في الممتلكات، وتكسر المركبات، وتسرق المواشي أو تقتل، فيما تتلف المحاصيل الزراعية والأعلاف بشكل متعمد.
ويتحدث الرجل بحسرة عن مواسم الزراعة التي كانت تمثل مصدر الحياة للعائلات. يقول إنهم كانوا يُمنعون أحيانا من فلاحة الأرض، وإن سُمح لهم بالزراعة، فإن المستوطنين كانوا يهاجمونهم قبيل الحصاد مباشرة، فيتلفون المحاصيل ويحرمونهم من تعب شهور طويلة.
ومع منع الرعي والتضييق على الحركة، بدأت المواشي تنفق تباعا بسبب نقص الأعلاف وشح المياه، وهي خسارة يراها السكان أخطر من مجرد فقدان مصدر رزق، لأنها تمس جوهر حياتهم البدوية المرتبطة بالأرض والرعي.

كثير من العائلات، كما يقول أبو محسن، لم تعد قادرة على الاحتمال، خاصة بعد هدم الخيام ومنازل الصفيح وسرقة مواشيها، فاختارت الرحيل بحثا عن مكان أكثر أمنا. أما هو، فما زال يرفض المغادرة رغم كل ما يحيط به من مخاطر.
ينظر الرجل المسن إلى الأرض الممتدة حوله، بصمت يشبه التعب الطويل، ثم يقول بثبات: “هنا ولدنا، وهنا سندفن”. كلمات تبدو في الأغوار الشمالية أكثر من مجرد تعبير عن الانتماء؛ إنها إعلان بقاء أخير في وجه اقتلاع يتواصل بصمت.
الحديدية.. حياة تحت حصار المستوطنات
وفي التجمع البدوي الحديدية، تبدو الخيام القليلة المتبقية محاصرة بين المستوطنات والبؤر الاستيطانية من كل اتجاه. هنا يعيش محمد بني عودة، الرجل الذي تجاوز الخمسين من عمره، مع زوجته وأطفاله الـ11، في حياة يقول إنها لم تعد تشبه سوى “دوامة عنف مفتوحة” لا تهدأ.
يستعيد محمد تفاصيل الهجوم الأخير الذي تعرض له التجمع خلال شهر رمضان الماضي، حين اقتحم عشرات المستوطنين المكان تحت حماية قوات الاحتلال. يقول إن الهجوم كان الأعنف منذ سنوات، وإن النساء والأطفال وكبار السن لم يسلموا من الترهيب والاعتداءات.
في تلك الليلة، كما يروي، شارك نحو 40 مستوطنا مدججين بالسلاح، بعضهم على متن مركبات رباعية الدفع وتراكتورات، في مهاجمة التجمع الذي يقطنه 59 فلسطينيا، غالبيتهم من النساء والأطفال. وبينما كان السكان يحاولون حماية خيامهم ومواشيهم، تدخلت قوات الاحتلال باعتقال الشبان ومنعهم من التصدي للهجوم أو الدفاع عن ممتلكاتهم.

يقول محمد إن التجمع البدوي يعيش عمليا تحت حصار دائم تفرضه مستوطنتا “بكعوت” و”روعي”، فيما تتكرر الهجمات بشكل شبه يومي. وفي أعقاب الهجوم الأخير، أقيمت بؤرة استيطانية جديدة قرب الحديدية، تقطنها 3 عائلات من تيار الصهيونية الدينية، ويؤكد أن هذه البؤرة تحولت إلى نقطة انطلاق للهجمات على السكان ورعاة المواشي والأطفال.
معركة البقاء في وجه الاقتلاع
“نخوض معهم معركة كر وفر”، يقولها وهو يصف واقعا يوميا من المطاردات والاستفزازات. المستوطنون، بحسب روايته، يتعمدون استدعاء قوات الاحتلال بزعم تعرضهم لمضايقات من سكان التجمع، لتبدأ بعدها الاقتحامات والتحقيقات الميدانية واحتجاز السكان لساعات طويلة. ويضيف أن الهدف من كل ذلك هو “التنغيص على الناس وترهيبهم حتى يرحلوا”.
حتى حين تصل شرطة الاحتلال، يقول محمد إن الأمور لا تختلف كثيرا. “الشرطة تتبنى رواية المستوطنين”، يضيف، موضحا أن قوات الاحتلال لا تمنع الاعتداءات، بل تتحول، بحسب وصفه، إلى جزء من الضغط المفروض على السكان، عبر منعهم من الدفاع عن أنفسهم أو حماية ممتلكاتهم.
في الحديدية كانت تقطن 5 عائلات، لكن واحدة منها فقدت أرضها ومصدر رزقها ومواشيها، وأُجبرت على الرحيل القسري. أما من بقي، فيعيش تحت تهديد دائم، وسط مخاوف من أن تتكرر التجربة مع بقية العائلات.
محمد، الذي يراقب المشهد المتغير في الأغوار الشمالية، يرى أن ما يحدث ليس مجرد اعتداءات متفرقة، بل سياسة تهدف إلى توسيع المشروع الاستيطاني وإفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين.

يقول إن المستوطنين “يتصرفون وكأن كل شيء لهم، بينما الفلسطيني لا حق له حتى بالحياة”، مشيرا إلى أن العائلات تلاحق في أراضيها ومراعيها، وتسلب مواشيها ومحاصيلها، فيما تدفع تدريجيا إلى الرحيل.
من النكبة إلى اليوم.. السيناريو يتكرر
يستحضر الرجل ذاكرة النكبة وهو يتحدث عن الخيام المهجورة، ومنازل الصفيح الفارغة المنتشرة في الأغوار. يقول إن كثيرا من العائلات التي هُجّرت قسرا لم تتمكن من العودة، وإن بعض الأماكن التي أُخليت أُقيمت فوق أنقاضها بؤر رعوية واستيطانية جديدة لفرض أمر واقع دائم.
“هو نفس السيناريو يتكرر”، يقول محمد، مستعيدا روايات التهجير الأولى قبل عام 1948، حين كانت العصابات الصهيونية تهاجم القرى الفلسطينية وتدفع سكانها إلى النزوح بالقوة.
بالنسبة له، فإن ما يجري اليوم في الأغوار الشمالية ليس سوى امتداد لذلك المشهد المتلخص بالنكبة، لكن أمام عالم “يرى كل شيء ويلتزم الصمت”.
ورغم كل ما يحيط بالتجمع من حصار وخوف، يتمسك محمد بالبقاء. ينظر نحو الخيام المتناثرة في الحديدية ويقول بثبات: “نحن صامدون ومتجذرون في الأرض… ولن نرحل”.
























