لم تكشف حادثة أسطول الحرية سلوكًا إسرائيليًا جديدًا، بقدر ما كشفت أمام العالم طبيعة بنية استعمارية ظلت لعقود تمارس عنفها تحت غطاء الديمقراطية والحصانة الدولية. فمشاهد الإهانة والاحتجاز والتعامل الفوقي مع متضامنين دوليين جاؤوا مدفوعين باعتبارات إنسانية وأخلاقية، لم تكن سوى نسخة مخففة مما يعيشه الفلسطيني يوميًا منذ أكثر من ثمانية عقود تحت الاحتلال والحصار والعنف المنظم.
ومن منظور نظريات ما بعد الاستعمار، لا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي باعتباره مجرد انحراف سياسي أو تجاوزات معزولة، بل باعتباره امتدادًا لنموذج استعماري كلاسيكي أعاد إنتاج نفسه في العصر الحديث بأدوات أكثر تعقيدًا وبدعم دولي غير مسبوق. فجوهر المشروع الاستعماري لم يكن يومًا قائمًا فقط على السيطرة العسكرية على الأرض، بل على إنتاج منظومة كاملة من التفوق الأخلاقي والثقافي والسياسي تبرر العنف وتحوّل الضحية إلى مشكلة أمنية دائمة.
لقد نجحت إسرائيل، بدعم غربي واسع، في إعادة إنتاج الفلسطيني داخل الخطاب الدولي بوصفه الآخر الخطر، لا الإنسان الواقع تحت الاحتلال. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أخطر نتائج البنية الاستعمارية الحديثة. ليس فقط احتلال الأرض، بل احتكار تعريف الضحية والجاني، وتحديد من يستحق التعاطف ومن يُنظر إليه باعتباره تهديدًا حتى وهو محاصر أو جائع أو تحت القصف.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتساؤل لا تكمن فقط في السلوك الإسرائيلي ذاته، بل في الصدمة المتأخرة التي بدأت تظهر داخل بعض المجتمعات الغربية عندما امتدت ممارسات إسرائيل لتطال مواطنيها ونشطاءها. وهنا يبرز السؤال الأكثر عمقًا: أليست هذه هي إسرائيل نفسها التي قُدمت للعالم لعقود باعتبارها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط؟ أليست هي الدولة التي حظيت بحماية سياسية وعسكرية وإعلامية غير مسبوقة، وتم التعامل مع انتهاكاتها باعتبارها استثناءات مبررة باسم الأمن أو حق الدفاع عن النفس؟
إن ما جرى مع المتضامنين الدوليين يكشف أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين إسرائيل والدول التي وفرت لها الغطاء السياسي والأخلاقي. فالدعم غير المشروط لا يصنع فقط قوة عسكرية متفوقة، بل يصنع أيضًا شعورًا دائمًا بالإفلات من المحاسبة، ويحول الاحتلال من حالة استثنائية إلى بنية مستقرة ومحمية دوليًا.
وحين تُمنح دولة ما حصانة طويلة ضد النقد والمساءلة، فإنها لا تعيد إنتاج العنف ضد خصومها فقط، بل تبدأ تدريجيًا في التعامل مع كل اعتراض أخلاقي أو إنساني باعتباره تهديدًا يجب قمعه وإهانته. ولهذا لم يكن مفاجئًا أن تتعامل إسرائيل مع المتضامنين الدوليين بالعقلية ذاتها التي تتعامل بها مع الفلسطينيين: الحصار، الإذلال، الاعتقال، التحكم بالحركة، والعقاب الجماعي. الجديد اليوم أن بعض مواطني الدول الداعمة بدأوا يختبرون جزءًا من هذه التجربة بأنفسهم، ولو بشكل محدود ومؤقت، وهنا تحديدًا تكمن أهمية الحدث؛ لأنه يكشف الفجوة بين الصورة التي سعت الحكومات الغربية إلى ترسيخها عن إسرائيل، وبين الواقع الفعلي لدولة تقوم بنيتها السياسية والأمنية على منطق السيطرة والتفوق والقوة المجردة.
إن الأزمة الحقيقية لم تعد فقط في سلوك إسرائيل، بل في النظام الدولي الذي سمح بتحويل الاحتلال إلى وضع طبيعي، والإبادة إلى مادة خلاف سياسي، والمعاناة الإنسانية إلى ملف قابل للتفاوض والتبرير. فحين تُمنح دولة ما حق ممارسة العنف دون مساءلة، يصبح من الطبيعي أن تمتد ممارساتها تدريجيًا إلى كل من يعترض على هذا الواقع، حتى لو كان من مواطني الدول التي وفرت لها الحماية ذاتها.
ولهذا فإن ما جرى مع أسطول الحرية لا ينبغي قراءته بوصفه حادثة إنسانية معزولة، بل باعتباره لحظة كاشفة لطبيعة المشروع الذي جرى دعمه وحمايته لعقود. فالدولة التي تتأسس على الاحتلال والعنف البنيوي لا يمكن أن تتحول، مهما جرى تلميع صورتها سياسيًا وإعلاميًا، إلى نموذج حقيقي للعدالة والديمقراطية. وربما لم تكن الصدمة الحقيقية لبعض العواصم الغربية في ما فعلته إسرائيل، بل في اكتشافها المتأخر أن الكيان الذي جرى تقديمه طويلًا بوصفه نموذجًا للديمقراطية، لم يكن في جوهره سوى إعادة إنتاج حديثة لبنية استعمارية قديمة، نجحت طويلًا في الاحتماء بالقوة والسردية والغطاء الدولي.
