الذين يؤيدون إيران ويناصرونها لأسباب فكرية وعقائدية سياسية أو مذهبية، والذين يخاصمونها ويرفضون دورها وسياستها، وحتى الذين يستعدونها ويؤلبون ويحرضون عليها، كلهم، دون استثناء، بمن فيهم المتشككون والحائرون والمترددون، يتساءلون بينهم وبين أنفسهم حول السر في قوة إيران.
وكيف لبلد مثل إيران أن يجابه دولة بحجم الولايات المتحدة، وهي القوة العسكرية الأكبر في العالم، وأن يواجه إسرائيل، وهي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط، وقد تعد الدولة الخامسة أو السادسة في العالم كله. كيف لدولة مثل إيران أن تواجه كل هذه القوة، على مدار ما يقارب نصف قرن من الحصار والعقوبات المدعومة من معظم دول الغرب، ومن عداء متواصل ومثابر من معظم دول الإقليم، ومن مؤسسات ومنظمات دولية وإقليمية، في كل مكان، وعلى مختلف الأصعدة والمستويات؟
لا يوجد شخص جاد متابع ومتتبع للصراع الدائر في الإقليم وفي العالم، ولا يوجد حزب أو جماعة سياسية، ناهيكم عن الدول والمنظمات، من لا يفكر ويتفكر في هذا السر، وأين يكمن هذا السر، من المعادين لإيران والمؤيدين لها، ومن المتشككين والمترددين بشأن دورها، وبشأن أهدافها ونواياها ومصالحها.
دعونا نساهم، أو نحاول المساهمة، في الإجابة عن هذه التساؤلات.
أود أن أنوّه في البداية إلى أن كاتب هذه السطور كان من أوائل الذين حطّوا في مطار طهران، منذ الأيام الأولى لنجاح «الثورة الإسلامية» آنذاك، وكانت مهمتي استكشافية صحافية، ولم أكن مؤيداً ولا متحمساً لهذا النجاح، لكنني لم أكن معادياً، وليس لدي موقف مسبق حاسم أو نهائي.
الانطباع الذي خرجت به من تلك الزيارة، والتي دامت ثلاثة أسابيع كاملة، التقيت خلالها معظم القيادات السياسية الدينية الفاعلة، واليسارية المؤثرة، وعلى أعلى المستويات، هو أن إيران تسير في طريق انتقال نحو التعايش مع الليبرالية السياسية والاجتماعية مؤقتاً، وإلى حين إحكام السيطرة على البلاد، وأن «الثورة» ستنقل الأيديولوجيا السياسية إلى السلوك ومظاهر التدين، كالحجاب مثلاً، وأنها، أي «الثورة»، ما تلبث، ولن تتردد في إقصاء الخصوم، خصوصاً حزب توده الشيوعي، ومنظمة فدائيي خلق، ومنظمة مجاهدي خلق، وحتى القيادات الدينية التي تأثرت أثناء فترة السجون الطويلة إبان حكم الشاه، وتشرّبت الأفكار الوطنية والليبرالية، وحتى اليسارية.
وأظن أن هذا ما جرى فيما بعد، وأظن أن الجناح الأيديولوجي أحكم سيطرته على البلاد والعباد، وتحوّل مفهوم التعددية من مفهوم مجتمعي عام إلى مفهوم فئوي خاص داخل الجناح الديني نفسه، وعلى هذا الأساس بالذات بُني النظام السياسي في إيران، وهو النظام القائم حتى الآن.
تبلور في سياق التطور السياسي والاجتماعي، الذي شهدته إيران على مدار هذه السنين الطويلة، جناحان كبيران، وهما باتا يعرفان بالمحافظ، وهو جناح متشدد ثقافياً واجتماعياً وسياسياً بكل تأكيد، وجناح إصلاحي أقل تشدداً على كل المستويات، وأكثر انفتاحاً واستعداداً وسعياً للتهاون بشأنها.
وعلى مدار ما يقارب نصف قرن، استمد الجناح المحافظ قوته من شدة العداء الأميركي والصهيوني للنظام الإيراني، وشدة العداء والخصومة الإقليمية معاً، إضافة إلى التآمر عليه، ومحاولات زعزعته وإسقاطه، وشن الحروب عليه.
أما الجناح الإصلاحي، فكان يرى في نفس هذا العداء وهذه الخصومة السبب الإضافي للتخلي عن سياسة التشدد، والضرورة بالانفتاح.
في هذه الأثناء، توافق الجناحان، وفي خضم الصراع بينهما، على أربع قضايا ليست في موضع الخلاف، وليست قابلة للمس بها، وهي فوق سياسية، وهي ثوابت لا تتعلق بأي اختلاف سياسي أو اجتهاد فكري أو ثقافي أو فقهي أو غيره.
الأولى، هي الحفاظ على وحدة الدولة والمجتمع والشعب، واعتبار أن سيادة الدولة في السيطرة الإقليمية ركن الوجود الإيراني كله.
الثانية، هي أن مفهوم السيادة يشمل على السيطرة والتحكم بالثروات الوطنية، بما فيها الموارد البشرية، وتم في ضوء ذلك وضع برامج إستراتيجية لإعادة تطوير البلاد على كل المستويات، خصوصاً الصناعية، بما في ذلك العسكرية والتكنولوجية، بما فيها النووية والفضائية، إضافة إلى الزراعية.
وقد أثبتت المعطيات والإحصاءات، بالأرقام الموثوقة، أن إيران طورت، خلال العقود الماضية، منظومات تعليمية من أنجح المنظومات العالمية على الإطلاق، وقامت ببناء أكبر مجمع صناعي عسكري عرفته أي دولة من دول العالم الثاني، وسخّرت طاقات وموارد مادية وبشرية تفوق الطاقات والموارد في أكثر دول العالم تطوراً وتقدماً، على الرغم من كل العقوبات والحصار الذي فُرض عليها، وذلك لأنها أدركت الخطر الذي يتهددها، ولم تساوم على التصدي لهذا الخطر.
الثالثة، هي أن نصرة فلسطين ليست منّة سياسية، وإنما مصلحة إيرانية خالصة، وذلك بسبب موقف النظام الصهيوني وخطره على إيران، إضافة إلى مسألة العقيدة الدينية بطبيعة الحال، وبناء تحالفات إقليمية «تساعد» إيران على هذا النصرة. وأما الرابعة، فهي الاعتماد على الذات، واعتبار هذا المبدأ قاعدة لأي تحالف خارجي.
خمسون عاماً من البناء هو السر. خمسون عاماً، أو ما يقارب، من التوافق على هذا البناء هو السر. خمسون عاماً من التراكم الفعال ومفتاح فهم هذه القوة. خمسون عاماً من المثابرة، في أشد وأصعب الظروف، هو الإنجاز والإعجاز والمعجزة. لكن الذي أعطى لهذه القوة «قوتها الخاصة» هو تراكم التجربة السياسية، واكتساب الخبرة باستثمار الأوراق التي لديها.
إيران تمتلك القوة، نعم، ولكنها تمتلك الأوراق، والصراع لا تحسمه القوة فقط، وإنما تحسمه الأوراق، وإيران لديها قوة استخدام القوة، وقوة استخدام الأوراق، بدءاً بمضيق هرمز وباب المندب، ومروراً بقوس واسع من الحلفاء، ومحاط بتحالفات إقليمية ودولية هي بمثابة شبكة حماية وضمانة، راسخة، نابعة من مصالح إستراتيجية ثابتة ومستقرة.
إيران التي تصارع أميركا ودولة الاحتلال قررت أن تخوض هذا الصراع منذ عقود عدة، وأعدت نفسها له على مدار كل هذه السنين، وجهزت كل ما من شأنه أن يحمي دولتها وشعبها من الانكسار أو الهزيمة، وحسمت أمورها بأن معركتها معركة وجود، لا تقبل أي مساومة.
ليس لدى أميركا، ولا لدى دولة الاحتلال، ولا ورقة واحدة رابحة سوى القوة والإجرام، وهي ورقة ثبت أنها فاشلة مقابل الأوراق الإيرانية التي تؤثر على العالم كله، وتهدد مصالح هذا العالم.
