إيران تفصل بين نظامين عالميين ..رجب أبو سرية

إيران تفصل بين نظامين عالميين ..رجب أبو سرية

حين ردت إسرائيل على عملية طوفان الأقصى، بحرب الإبادة، بدأت حكومتها بالحديث عن أهداف الحرب، ومن ثم عن المدة اللازمة لتحقيق تلك الأهداف. 
وقد كان تحديد الأهداف ضرورياً للداخل الإسرائيلي، بعد أن حمّلت المعارضة مسؤولية الإخفاق الأمني للحكومة ولرئيسها بنيامين نتنياهو، فيما كان تحديد فترة الحرب ضرورياً لإدارة جو بايدن الأميركية، لأن الحرب كلما طالت، تآكل التأييد السياسي الدولي، والذي كان «نموذجياً» بالنسبة لإسرائيل في بداية الحرب، تأثراً بصدمة السابع من أكتوبر، ولأن إدارة بايدن كانت ترغب في ألا تتجاوز مدة الحرب أسابيع أو أشهراً قليلة، فقد أصيبت بالصدمة، حين أعلن وزير الدفاع الاسرائيلي في ذلك الوقت، يوآف غالانت عن أن إسرائيل تحتاج إلى ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات، لتحقيق أهداف حربها على غزة. 
لن نعود هنا إلى التفاصيل، خاصة تلك التي كانت بين واشنطن وتل أبيب، ارتباطاً بمدة الحرب، والتي استمرت بشكل متواصل، رغم «عرقلات» واشنطن خاصة خلال إدارة بايدن، التي كانت بحاجة لوقفها لأسباب انتخابية، لكننا نشير إلى أن الحرب على غزة لم تنتهِ بعد، رغم مرور أكثر من عامين ونصف على إطلاقها، وإن كانت قد انحسرت بعد مرور عامين، وما كان يبديه المحللون، والمتابعون من استغراب لما أعلنه غالانت في حينه، يعود إلى عدم تناسب حجم القوة العسكرية بين غزة وإسرائيل، لكن أن تحتاج إسرائيل لأكثر من عامين، حتى تخفض من منسوب الحرب، دون أن تحقق بعض أهدافها، خاصة ذلك المتعلق بالتهجير وحكم حماس، فذلك يعود في جزء منه إلى تنامي القوة الداخلية في غزة، خاصة تلك المرتبطة أو الناجمة عن الأنفاق، لكن أهم عنصر في تلك المواجهة العسكرية، كان هو الإسناد الإقليمي، والذي جاء من جبهتين أساسيتين، هما جنوب لبنان وحوثي اليمن.
وبصرف النظر عن أيهما كان السبب أولاً، في فتح الجبهات أو تعددها، كما اعتاد طرفا الحرب القول، حيث دأب محور المقاومة يتحدث عن وحدة الجبهات، في حين صارت إسرائيل تتحدث عن تعدد الجبهات، فقد اتضح أن الحرب الإسرائيلية على غزة، رغم وحشيتها التي وصلت حد التوصيف الرسمي القضائي والسياسي الأممي، بحرب الإبادة، لم تكن محصورة بذلك الإطار، أو بتلك الحدود وحسب، ولأن خطر اندلاع الحرب الإقليمية كان وارداً، فإن إدارة بايدن واصلت خلال أكثر من عام على اندلاع الحرب الحرص على ألا تشعل الشرق الأوسط برمته، رغم أن أميركا نفسها انخرطت بهذا الشكل أو ذاك في أكثر من ساحة من ساحات القتال، حيث اشتبكت مع الحوثي في اليمن مباشرة، واشتركت مع القوات الإسرائيلية في مواجهة حزب الله في الجو، وكذلك في رصد تفاصيل غزة الاستخباراتية، إضافة بالطبع إلى مد إسرائيل بالذخائر، وحمايتها سياسياً ضد كل العالم. 
لكن ورغم حرص دونالد ترامب على إطفاء الحريق حتى قبل دخوله البيت الأبيض، وقد فعل ذلك في مطلع العام 2025، إلا أنه صمد نصف عام فقط، في مواجهة الضغط الاسرائيلي، للانخراط في الحرب، التي رأت فيها إسرائيل فرصتها لقيام «إسرائيل الكبرى»، والتي لا تكون إلا بسحق القوة العسكرية والسياسية الإيرانية، وليس المهم هنا الحجج والتفاصيل، ولكن المؤشر العام، الذي يدل على أهداف مشتركة لإسرائيل وأميركا معاً. 
وقد أظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن مشاركته إسرائيل الحرب في حزيران العام الماضي 2025، قد جاءت من باب دعم الحليف الاستراتيجي في المنطقة، وقد اتضح ذلك من خلال طبيعة تلك المشاركة التي اقتصرت على ضربة واحدة (عملية مطرقة منتصف الليل) بقصف موقع «فوردو» الإيراني المحصن، لأن إسرائيل لم تكن قادرة بما لديها من معدات قتالية على اختراقه، لكن حرب رمضان هذا العام شيء مختلف تماماً، وتظهر حقيقتها أن الهدف الأميركي من الحرب أبعد بكثير من مجرد إسناد إسرائيل، بتحقيق هدف إزالة احتمال امتلاك إيران للسلاح النووي، الذي يهدد إسرائيل وجودياً، وقد عاد ترامب للتركيز على هذا الهدف مؤخراً، بعد أن تأكد من استحالة قدرته على تحقيق الكثير من الحرب على إيران. 
دون تفاصيل، يمكن القول إن إسرائيل أفصحت عن أنها تريد إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بما يجعل منها دولة عظمى، من خلال قيام إسرائيل الكبرى، المتمددة جغرافياً، بحدود رسمية تشمل كل فلسطين التاريخية، ونصف سورية، وكل لبنان، أو معظمه، وبعضاً من العراق، وربما كل الأردن، وسيناء وشمال السعودية.
هذه الجغرافيا، بعضها بالضم الرسمي، وبعضها كمناطق نفوذ أمني، ومن خلال السيطرة العسكرية، بتفريغ الشرق الأوسط من كل مراكز القوة، خاصة الخارجة عن دائرة الاستسلام، بمسماها الأخير (اتفاقيات أبراهام)، لأنها - أي إسرائيل، تهيئ نفسها للاستغناء عن الإسناد الأميركي العسكري والمالي والسياسي، خلال الفترة القادمة، وأبعدها هو عشر سنوات، كما أعلن نتنياهو نفسه، أما أميركا فليست دولة يحكمها دكتاتور، فترامب نفسه ليس بالسذاجة التي تجعله ضحيه لخدعة «نتنياهوية» حتى لو كانت مدعمة بتقارير الموساد، بالإشارة إلى التقارير التي قالت إن نتنياهو والموساد، قدما للرئيس الأميركي في شباط خططاً وتقارير، يؤكد تنفيذها إسقاط النظام الإيراني عبر الأكراد، مع الضربات العسكرية واغتيال القيادة الإيرانية. 
وأميركا نفسها ليست دولة شرق أوسطية، ولا حتى جمهورية موز، يقرر مصيرها تاجر عقارات، ربما كان هو آخر من يقرر في واشنطن، ورغم كل ما يمكن أن يقال عن تأثير اللوبي الصهيوني، إلا أن البوصلة ليست نحو إسرائيل تماماً، وإسرائيل أولاً وأخيراً ما هي إلا قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، تماماً مثل حاملات الطائرات التي تجوب المحيطات، ومثل قواعدها في دول المنطقة، أي أن الدفاع عن إسرائيل هو دفاع عن قاعدة عسكرية أميركية. 
لكن يبقى الأهم حتى بالنسبة للوبي الصهيوني، هو أن تبقى أميركا تقود العالم، وفق نظامها العالمي الذي أقامته بعد انتهاء الحرب الباردة، بانهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية، مطلع تسعينيات القرن الماضي. 
والنظام العالمي الأميركي، وحتى حين كانت أميركا تقود أحد قطبي نظام الحرب الباردة العالمي، كان يستند إلى عدة عناصر، تجعل من أميركا القوة العظمى، التي تسيطر على العالم منفردة عسكرياً واقتصادياً، وأهم تلك العناصر، هو قواعدها العسكرية التي تزيد على 750 قاعدة عسكرية منتشرة في أكثر من 80 دولة، أي نحو نصف عدد دول الكرة الأرضية، وذلك لتحقيق العديد من الأهداف، منها تثبيت أركان الأنظمة الموالية، والتدخل السريع فوراً، لمواجهة ما تسميه تهديد المصالح الأميركية، والأهم هو تأمين خطوط الملاحة البحرية، ثم هناك العنصر الرئيس المتمثل باعتماد الدولار كعملة تداول عالمي، وهناك عناصر أخرى منها، السيطرة الأميركية على الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. 
ما بعد الحرب الباردة ظهر الاقتصاد كقوة لا تقل نفوذاً عن القوة العسكرية التي باتت متوازنة دولياً، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بفضل السلاح النووي الموجود في تسع دول، وبسبب من اعتماد الاقتصاد على التصدير والتبادل التجاري، فقد ظهر أن عصب الاقتصاد هو الممرات المائية، خاصة تلك التي تعترض طريق التواصل بين شرق آسيا المنتج لمعظم السلع، والشرق الأوسط وأوروبا المستهلك لها، نقصد كلاً من: ملقة، هرمز، باب المندب وقناة السويس، أي أن سيطرة أميركا على نقاط الاختناق البحري، تعتبر عصب نظامها العالمي، الذي سعت الصين منذ عام 2013 لتجاوزه بهدوء عبر مشروع الحزام والطريق، والذي تعتبر إيران عنصراً أساسياً فيه، من أجل قيام نظام أوراسيا الاقتصادي العالمي. 
لهذا فإن أهم نقطة في مسار الحرب كانت هي «هرمز» بما تحمله من دلالة على نظام عالمي أميركي يعتمد السيطرة على المضائق البحرية، يضاف إلى ذلك، أن تعثر ذلك الممر البحري يؤكد أهمية البديل الصيني، ليس فقط كطريق تجارة عالمي، بل إلى جانب اعتماد اليوان الرقمي كعملة تداول، هكذا تصبح المعادلة بين نظام عالمي أميركي يتآكل، مقابل نظام عالمي صيني يشق الطريق كبديل، ليعيد الصين إلى ما قبل العام 1820 حين كانت أكبر اقتصاد عالمي. 
ولعل تراجع ترامب الدراماتيكي في مسار التفاوض مع إيران، يؤكد الحقيقة التي تقول، إن الطرف الذي يشعل الحرب، ولا يعرف كيف يخرج منها، يخسرها. وترامب دخل الحرب وهو يأمل بالسيطرة على نفط إيران، ليقبض على عنق الصناعة الصينية، ولم يحقق هذا الربح، ليجد أن «رأس ماله» المتمثل بالقواعد العسكرية وهرمز، قد بات في مهب الريح، لا تقوى سبع قطع بحرية في هرمز، على تأمينه. 

أحدث الأخبار