في أيار (مايو) 2024، خلص المؤرخ الإسرائيليّ الأصل، عومير بارطوف، إلى أنّ أحداث قطاع غزة، بموجب ميثاق الأمم المتحدة لعام 1948، تندرج تحت تعريف الإبادة الجماعيّة، ولم يكن هذا استنتاجًا سهلًا بالنسبة له. فقد عارض بارطوف علنًا استخدام مصطلح الإبادة الجماعيّة، رغم انتقادات زملائه، وعندما قرر أخيرًا استخدامه، أثار ذلك ضجةً ليس فقط في الأوساط الأكاديميّة، بل أيضًا في المجتمعات اليهوديّة في أمريكا الشمالية وإسرائيل.
وقال لصحيفة (هآرتس) العبريّة مع صدور كتابه الجديد بتماني لغاتٍ: “أنا لا أعارض وجود دولة إسرائيل، لكن الصهيونيّة كأيديولوجيّةٍ قد استنفدت نفسها. من المفارقات والمأساوية أنّ حركة بدأت كمحاولةٍ لتحرير اليهود من الاضطهاد تنتهي كحركةٍ عنصريّةٍ وعنيفةٍ”.
وفي كتابه الجديد، (إسرائيل: أين الخطأ؟)، يتناول بارطوف مسألة كيف وصل هو وإسرائيل إلى هذه النقطة، وردًا على سؤالٍ فيما إذا كان الكتاب سيُترجم للغة العبريّة، قال: “يُنشر الكتاب بثماني لغاتٍ، حتى الصينيّة، في إسرائيل، تواصلتُ مع العديد من معارفي الذين عرّفوني بدور نشرٍ، ولكن جميعها رفضت إصدار الكتاب باللغة العبريّة”.
وأردف: “لم تستنفد الصهيونية نفسها كأيديولوجيّةٍ فحسب، بل أصبحت شيئًا لا أعرفه. لقد أصبحت أيديولوجيّة الدولة. لم تصبح عسكريّةً وتوسعيّةً فحسب، بل عنصريّةً وعنيفةً بشكلٍ متطرفٍ، وفي النهاية أيديولوجيّة تُلحق ضررًا بالغًا بالفرد والجماعة على حدٍّ سواء. لا مكان لمثل هذه الأيديولوجية، ومن المفارقات والمأساوية أنْ تنتهي رحلتها كحركةٍ عنصريّةٍ وعنيفةٍ، إنّ الصهيونية، بمجرد أنْ تصبح أيديولوجيّة دولة، ستتخلى عن إمكانية أنْ تصبح دولةً طبيعيّةً لمواطنيها”.
وشدّدّ على أنّه “لا يمكن لإسرائيل أنْ توجد كدولةٍ طبيعيّةٍ في ظلّ الأيديولوجّية الصهيونيّة. يجب أنْ تختفي الصهيونيّة. ستبقى الدولة، ولن تزول. السؤال هو: أي نوعٍ من الدول ستكون؟ يجب أنْ تتغير جذريًا، ففي ظلّ الأيديولوجيّة الصهيونيّة، لا يمكنها فعل ذلك. إذا لم تتخلَّ عن هذه الأيديولوجيّة وتتحول إلى شيءٍ آخر، فستكون دولة فصلٍ عنصريٍّ كاملةٍ، وديمقراطية غير ليبرالية في أحسن الأحوال، شديدة العنف، وستفقد في نهاية المطاف جزءًا كبيرًا من نخبتها المتعلمة. ستبقى أغلبية السكان لأنّ السكان يبقون دائمًا، لكنّها ستصبح دولةً منبوذةً ومعزولةً، وستفقد دعم أهم حلفائها، أوروبا والولايات المتحدة، اللتين تنظران إليها بشكلٍ متزايدٍ على أنّها خطر عليهما بدلاً من كونها حاميةً”.
ورأى البروفيسور بارطوف أنّه “بعد السابع من أكتوبر، صُوِّر هجوم حماس على أنّه عملٌ يُشبه المحرقة، ووُصفت حماس بأنّها نازيّة، واعتُبر انتقاد تصرفات إسرائيل معاداةً للسامية. لكن دعونا ننظر إلى الأمر من زاويةٍ أخرى: إذا كان بإمكان الصهيونيّة أنْ تؤدي لإبادةٍ جماعيّةٍ في غزة، فإنّها لم تعد صالحةً كأيديولوجيّةٍ. لم يعد للأيديولوجيات الأخرى في التاريخ التي اختارت الإبادة الجماعية مكانٌ. من المستحيل أنْ يكون الرد على المحرقة إبادةً جماعيةً أخرى، وعندما نتحدث عن تحوّل إسرائيل إلى دولةٍ منبوذةٍ، فإنّ هذا ليس نتيجةً لمعاداة السامية، بل نتيجةً لأفعال إسرائيل، هذه الأفعال قوّضت الحجج الوجوديّة التي بُنيت عليها”.
ولفت إلى أنّ “مقاومة الاحتلال والحصار ومحاولة السيطرة على شعبٍ يسعى إلى ممارسة حقه في تقرير مصيره الوطنيّ أمرٌ مشروعٌ. إنّ المقاومة الفرنسيّة السريّة، والمقاومة داخل ألمانيا، والمقاومة المسلحة أمور مشروعة تمامًا، حتى بموجب القانون الدوليّ، لكنّها لا تمنح الحق في ارتكاب المجازر”.
وأضاف: “لقد لقي قادة حماس حتفهم، لكن ما سعوا إليه قد تحقق. دمرت إسرائيل غزة، لكنّها لم تقضِ على حماس. ما أرادته قيادة حماس هو كسر الحصار من داخل المنطقة التي كان نتنياهو “يدير” الصراع فيها، ولم يكترث أحدٌ لذلك، لا الدول العربيّة، ولا المجتمع الدوليّ، ولا الحملات الانتخابيّة في إسرائيل. لقد حوّلت حماس هذا الصراع إلى صراعٍ إقليميٍّ”.
ولفت إلى أنّ “الرئيس الأمريكيّ آنذاك، بايدن، ووزير الخارجيّة بلينكن لم يفعلا شيئًا، كان بإمكانهما بسهولةٍ إنهاء ما حدث في غزة، وكان بإمكانهما إخبار نتنياهو: أمامك أسبوعان لإنهاء الحادث، وإلّا ستتحمل العواقب وحدك، ولو فعلا ذلك، لكان قد توقف في غضون ساعاتٍ”.
وساق قائلاً: “في أيار (مايو) 2024، كان من الواضح أنّ ما يجري على أرض الواقع هو تدمير ممنهج لغزة، يقوم على منطق التطهير العرقيّ. ولكن على عكس ما حدث عام 1948، لم يكن من الممكن تحقيق التطهير العرقيّ لأنّ سكان غزة لا يستطيعون الفرار. وكما في كثير من الحالات السابقة، بما فيها المحرقة، عندما تفشل محاولة إخراج جماعة عرقية من أرضٍ خاضعةٍ لسيطرتك لعدم وجود مكانٍ تذهب إليه، يصبح الحلّ هو قتلها، وهذا هو الإبادة الجماعيّة.”
وأوضح: ” بحلول أيار (مايو) 2024، كان من الواضح أنّ الهدف لم يكن القضاء على حماس وإطلاق سراح الرهائن، بل جعل غزة غير صالحة للسكن بشكلٍ ممنهجٍ. كانت محاولةً لضمان عدم قدرة الفلسطينيين في غزة على استئناف حياتهم كجماعةٍ. رأى أشخاص مثل الوزيريْن بن غفير وسموتريتش، وسرعان ما نتنياهو، في ذلك فرصة سانحة، إذا لم يُدار الصراع، يُمكن إنهاؤه”.
