إسرائيل في مواجهة تهديد وجودي حقيقي .. إبراهيم أبراش

إسرائيل في مواجهة تهديد وجودي حقيقي .. إبراهيم أبراش

نتنياهو حقق نصراً عسكرياً على حركة حماس والفصائل المسلحة، وهاجم دول الجوار وتوسع في أراضيها، ويرعب ويبتز أنظمتها وشعوبها، وقد يغير مع ترامب في خارطة الشرق الأوسط، ولكنه بعيد عن تحقيق النصر المطلق على الشعب الفلسطيني أو أن يتجاوز أزماته الوجودية.

لن أذهب إلى ما ذهب إليه البعض من حتمية زوال دولة إسرائيل وتحديد تواريخ لزوالها اعتماداً على نبوءات وتفسيرات دينية، بل أتحدث عن خطر حقيقي يهدد وجود دولة إسرائيل بسبب أزماتها الداخلية وتآكل رواياها وممارساتها ورفضها لأي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وخصوصاً في ظل وصول اليمين الصهيوني للسلطة. هذا الإحساس بالخطر الوجودي هو ما دفع نتنياهو لفتح جبهات حرب متعددة والقيام بحرب الإبادة والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين، موظفاً عملية طوفان الأقصى الحمساوية.

استشعرت الحركة الصهيونية بداية الخطر الذي يهدد قيام دولة يهودية خالصة عندما وقع إسحق رابين على اتفاقية أوسلو، ووافق على قيام سلطة فلسطينية داخل فلسطين وعودة حوالي 250 ألف فلسطيني إلى فلسطين، فسارعت الحركة الصهيونية إلى اغتيال إسحق رابين والانقلاب على اتفاقية أوسلو.

ومع أن إسرائيل واصلت بناء المستوطنات في الضفة، وهيأت الظروف لفصل القطاع عن الضفة وعززت الانقسام، كما واصلت سياساتها العنصرية ضد فلسطينيي الداخل وشجعت الجريمة المنظمة وانتشار المخدرات، ومارست ضد الشعب الفلسطيني كل ما يخطر على البال من جرائم؛ من قتل، وتدمير، واستيطان، وتهويد، واعتقالات، وإرهاب دولة ومستوطنين، ولكنها في النهاية وجدت أن في فلسطين ما بين البحر والنهر حوالي 8 ملايين فلسطيني وعددهم فاق عدد اليهود، وهي التي بممارساتها عطلت أي تسوية سلمية معهم.

وعربياً، وبالرغم من موجة التطبيع الثانية التي رعاها الرئيس ترامب والسلام الإبراهيمي الذي بُشِّر به، إلا أن غالبية الشعوب العربية لم تتقبل دولة إسرائيل، باستثناء بعض الأصوات النشاز. ودولياً، تزايدت الأصوات والمواقف الشعبية والرسمية المؤيدة للفلسطينيين، وتزايدت حملات مقاطعة إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.

وفي داخل إسرائيل، تفاقمت الخلافات الداخلية، وخصوصاً بعد تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة بين اليمين الديني المتطرف والصهيونيين المعتدلين والعلمانيين، وعمت المظاهرات كل مدن الدولة إلى درجة ظهور أصوات تحذر من اندلاع حرب أهلية، إلى أن جاء طوفان حماس لينقذ حكومة نتنياهو.

وهكذا، بسبب رفض إسرائيل لعملية السلام والاعتراف بدولة فلسطينية، ومواصلتها لسياساتها العنصرية واحتقارها للشرعية الدولية، وجد نتنياهو نفسه ومعه كل إسرائيل قبيل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ أمام الواقع التالي:

- أكثر من نصف ساكنة إسرائيل من العرب الفلسطينيين.

- صواريخ موجهة لإسرائيل تنطلق من قطاع غزة ولبنان واليمن وإيران تعظم من قوتها الحربية وتطور قدراتها النووية وتهدد إسرائيل.

- عمليات فدائية فلسطينية داخل إسرائيل.

 - تعاظم الأزمات الإسرائيلية الداخلية التي كانت تهدد بسقوط الحكومة وتقديم نتنياهو للمحاكمة بتهم الفساد.

- تزايد حضور الفلسطينيين دولياً وتزايد حملات المقاطعة.

-  استمرار كراهية غالبية الشعوب العربية والإسلامية لإسرائيل.

فما العمل؟

لأن العقيدة الصهيونية لا تقبل أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، فلم يكن أمام نتنياهو للخروج من هذا المأزق والتهديد الوجودي ليس فقط لحكومته بل بوجود الدولة إلا بافتعال حرب كبيرة تغير الوضع الجيوسياسي والاستراتيجي في المنطقة، وكان طوفان الأقصى هو المحرك لهذه الحرب.

والآن، وبعد حوالي 3 سنوات على الحرب في كل الجبهات، وبالرغم مما لحق بأعداء إسرائيل وأمريكا من خسائر والتوسع الجغرافي للكيان في قطاع غزة ولبنان وسوريا ، فإن الخطر الوجودي على إسرائيل ما زال قائماً؛ إن لم يكن من نفس الجبهات فقد يكون من جبهات أخرى بالإضافة إلى أزماتها الداخلية ، الأمر الذي يضع إسرائيل -إن حكّمت العقل- أمام خيار وحيد، وهو العودة لطاولة المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية للسلام.

والمهم أن تستوعب القيادات والأحزاب الفلسطينية هذه المخاطر الوجودية على دولة إسرائيل وتحولها إلى فرص لبناء استراتيجية وطنية محل توافق وطني إن لم يكن لفرض قيام دولة فلسطينية فعلى الأقل تثبيت صمود الشعب على ألأراض الفلسطينية والحفاظ على ثقافته وهويته الوطنية وتماسك ووحدة النسيج الوطني ،حيث التهديد الوجودي الذي تتعرض له القضية الفلسطينية لا يقل خطورة عما يتعرض له الكيان الصهيوني.

Ibrahemibrach1@gmail.com

أحدث الأخبار