مدار نيوز \
كشفت تقارير صحفية عن أزمة داخلية حادة تعصف بشبكة «سي بي إس نيوز» الأمريكية، إثر قيام محررة الشؤون الخارجية بحذف حصيلة الشهداء الفلسطينيين الذين ارتقوا بنيران جيش الاحتلال في قطاع غزة من تقرير تلفزيوني. وأثارت هذه الخطوة موجة من الجدل داخل المؤسسة الإعلامية العريقة، خاصة بعد وصف المحررة لتلك الأرقام بأوصاف اعتبرها صحفيون تقليلاً من حجم المأساة الإنسانية.
وذكرت مصادر إعلامية أن شايندي رايس، محررة الشؤون الخارجية في الشبكة، شطبت عبارة تتضمن أعداد الشهداء من تقرير أعدته المراسلة المخضرمة هولي ويليامز بمناسبة مرور عام على العدوان. ولم تكتفِ رايس بالحذف، بل وصفت حصيلة الشهداء خلال اجتماع داخلي بأنها «رقم سحري»، معتبرة أن ذكرها لا يعدو كونه «استعراضاً» لا يقدم نفعاً للفلسطينيين.
وتضمن الاجتماع الذي سُربت تفاصيله توبيخاً استمر لنحو 15 دقيقة، وجهته رايس للموظفين، محذرة من أن أي معارضة لهذا النهج التحريري ستعتبر «عصياناً» يبرر الفصل القانوني من العمل. ويأتي هذا التشدد في وقت تشهد فيه غرف الأخبار الأمريكية انقسامات حادة حول طريقة تغطية الجرائم التي يرتكبها جيش الاحتلال في الأراضي المحتلة.
ويربط مراقبون هذه التطورات بتغييرات هيكلية في ملكية وإدارة الشبكة، حيث تولت قيادات جديدة تُعرف بتوجهاتها الداعمة للاحتلال مناصب حساسة. وأشارت مصادر إلى أن تعيين رايس جاء ضمن خطة لإعادة صياغة السياسة التحريرية لتكون أقل انتقاداً لسياسات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أدى سابقاً لإقالة كفاءات صحفية قاومت هذه الضغوط.
وكانت الشبكة قد شهدت استبعاد المحررة السابقة كلير داي بعد خلافات مع الإدارة الجديدة حول تغطية الحرب على غزة. ورغم أن تحقيقاً داخلياً برأ داي من تهم التحيز، إلا أن الإدارة أصرت على استبدالها بشخصيات تتبنى رواية الاحتلال أو تسعى لتغييب حجم المعاناة الفلسطينية عن الشاشة الأمريكية.
وتعيد هذه الواقعة إلى الأذهان حملات التشكيك الممنهجة في أرقام الشهداء التي بدأت منذ الأسابيع الأولى للعدوان، حيث صرح الرئيس الأمريكي جو بايدن سابقاً بعدم ثقته في الإحصائيات الفلسطينية. كما تبنى مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يمنع وزارة الخارجية من الاستشهاد ببيانات وزارة الصحة في غزة، في خطوة تهدف للتعتيم على حجم الإبادة.
وعلى الرغم من محاولات التشكيك، أقرت مصادر عسكرية في جيش الاحتلال مطلع العام الجاري بدقة التقديرات المتعلقة بأعداد الشهداء. ونقلت مصادر عن مسؤول في جيش الاحتلال قوله إن التقديرات تشير إلى ارتقاء عشرات الآلاف، وهو ما يتطابق إلى حد كبير مع البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية في القطاع.
بي سي إس ليست وحدها جو بايدن أيضا قال إنه “لا يثق بالأرقام التي يستخدمها الفلسطينيون” (أسوشيتد برس)
وسارع المتحدث باسم جيش الاحتلال لاحقاً للتنصل من تلك التصريحات، مدعياً أنها لا تمثل البيانات الرسمية، إلا أن المؤسسة العسكرية لم تقدم أي أرقام بديلة حتى الآن. ويعكس هذا التخبط محاولة الاحتلال الهروب من المسؤولية القانونية والأخلاقية عن استهداف المدنيين في غزة والقدس المحتلة وكافة الأراضي الفلسطينية.
وفي واشنطن، أقر باحثون في مراكز دراسات داعمة للاحتلال بصعوبة الاستمرار في التشكيك بمنهجية إحصاء الشهداء. وأوضح بعضهم أن التصريحات السابقة التي كانت تصف الأرقام بأنها «غير قابلة للتصديق» باتت تفتقر للأرضية الصلبة أمام حجم الدمار الموثق والشهادات الميدانية المتواترة.
من جانبهم، يرى صحفيون في الداخل المحتل أن الإعلام الدولي يمنح جيش الاحتلال ثقة لا يستحقها، مؤكدين أن الرواية العسكرية غالباً ما تكون مضللة. وأشاروا إلى أن جيش الاحتلال يعتمد على تكرار ادعاءات حول وجود مقاتلين بين المدنيين لتبرير المجازر التي يرتكبها بحق العائلات الفلسطينية.
وفي سياق متصل، رصد نقاد إعلاميون اختفاء حصيلة الشهداء تماماً من نشرات الأخبار التلفزيونية التابعة للاحتلال. وأكدت مصادر أن تجاهل الأرقام في إعلام الاحتلال ليس مجرد صدفة، بل هو قرار متعمد لتجنب الحديث عن الضحايا الفلسطينيين وتغييب صورتهم عن الوعي العام لدى المستوطنين.
ويؤكد مراقبون أن سياسة «تغييب الأرقام» تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وتحويل الشهداء إلى مجرد إحصائيات مشكك فيها. وتواجه المؤسسات الإعلامية الغربية ضغوطاً متزايدة من جماعات الضغط الداعمة للاحتلال لفرض رقابة ذاتية على المصطلحات والأرقام المتعلقة بضحايا العدوان المستمر.
وتشير التقارير إلى أن ما يحدث في «سي بي إس نيوز» هو نموذج لما تتعرض له وسائل إعلام عالمية أخرى تحاول الالتزام بالمعايير المهنية. فالمطالبة بحذف أعداد الشهداء تعني عملياً طمس الحقيقة وحرمان الجمهور العالمي من فهم حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها قصف قوات الاحتلال للمناطق السكنية.
ختاماً، تبقى قضية توثيق أعداد الشهداء محور صراع إعلامي وقانوني دولي، حيث تسعى المنظمات الحقوقية لاعتماد هذه الأرقام كدليل على جرائم الحرب. وفي المقابل، تواصل ماكينة الإعلام الداعمة للاحتلال محاولاتها لفرض «الرقم السحري» كبديل للحقيقة المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني تحت نيران الاحتلال.







