مدار نيوز \ عرب 48 \
بين الحواجز العسكرية واعتداءات المستوطنين ومخاوف التهجير، يتمسك أطفال الأغوار الشمالية بأحلامهم وبحقهم في التعليم والبقاء في أرضهم، فيما تتواصل القيود التي تعرقل وصولهم إلى المدارس.
في عين البيضاء بالأغوار الشمالية، لا تختلف أحلام الأطفال كثيرا عن أحلام أقرانهم في أماكن أخرى. هادي، تلميذ في المرحلة الابتدائية، يحلم بأن يصبح غواصا، فيما يريد صديقه عبد الرحمن أن يصبح محاميا يدافع عن الضعفاء. أما مراد، فيتخيل نفسه معلما، بينما يحلم جاد بأن يصبح طبيبا.
لكن خلف هذه الأحلام البسيطة، يواجه الأطفال واقعا مختلفا، يتحدثون عن تفاصيله، من الحواجز واعتداءات المستوطنين إلى الخوف من التهجير، فيما يخشى بعضهم التعرض للاختطاف.
وبينما يتمسك هادي بحلمه، يفكر عبد الرحمن في احتمال الانتقال إلى منزل جده في طوباس إذا اضطر إلى مغادرة منزله، قبل أن يطرح سؤالا يتجاوز عمره: “من يدافع عنا إذا جرى تهجيرنا وطردنا من أراضينا؟”.
أربعة أطفال، أربعة أحلام، لكن أمنية واحدة تجمعهم: البقاء في المكان الذي يعرفونه وطنا، ومواصلة تعليمهم، وألا يتحول الطريق إلى المدرسة إلى طريق آخر نحو التهجير.
مدرسة تحت الضغط
في الأغوار الشمالية، لا تبدأ السنة الدراسية بجرس المدرسة وحده. فقبل أن يصل الطالب إلى مقعده، يواجه قيودا يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وإغلاقات للحواجز ومخاوف على الطريق، في ظل اعتداءات المستوطنين وضغوط تطال الأرض والمياه وحرية الحركة ومصادر الرزق والتعليم.

ومنذ بدء الفصل الدراسي في الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر الحالي، تواجه مدارس الأغوار الشمالية أزمة متواصلة، بعدما أدت القيود والإغلاقات على الحواجز إلى تعطيل وصول عشرات المعلمين، فيما بقي نحو 1200 طالب وطالبة خارج الانتظام الدراسي، بحسب معطيات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.
وتتركز الأزمة بصورة خاصة عند حاجزي الحمرا وتياسير، حيث تمنع الإغلاقات نحو 100 معلم ومعلمة من الوصول بانتظام إلى مدارس الأغوار.

ويقول رئيس مجلس قروي عين البيضاء، عمر فقها، إن الطلبة “لم يدخلوا صفوفهم للأسبوع الثالث على التوالي”، معتبرا أن الأمر لم يعد يتعلق بتأخر معلم عن حصة أو ضياع يوم دراسي، بل بتعطيل العملية التعليمية نفسها.
ويضيف فقها أن الحواجز أصبحت جزءا من الحياة اليومية للسكان، مشيرا إلى أن البوابات العسكرية تغلق مساء ولا تفتح إلا في ساعات الصباح، ما يحول المنطقة، بحسب تعبيره، إلى “سجن كبير”.
ولا يقتصر أثر هذه القيود على الطلاب والمعلمين، بل يمتد إلى المرضى والمزارعين والعمال ورعاة الأغنام، ويقيد حركة السكان في مختلف تفاصيل حياتهم اليومية.
الطريق إلى المدرسة
في الظروف الطبيعية، يبدأ اليوم الدراسي بوصول الطلاب والمعلمين إلى المدرسة. أما في الأغوار، فيبدأ بمحاولة الوصول إليها.
فالمسافات الطويلة بين التجمعات السكانية والمزارع والمدارس تجعل رحلة الأطفال اليومية شاقة، فيما تضيف اعتداءات المستوطنين وإغلاقات الطرق والحواجز العسكرية مزيدا من الخوف وعدم اليقين.

وقد يكفي إغلاق حاجز أو تعذر وصول أحد المعلمين لتعطيل يوم دراسي كامل. ومع تكرار الانقطاعات، تتراكم الدروس الفائتة، وتجد المدارس والمعلمون أنفسهم أمام مهمة تعويض ما فاتهم، بالتوازي مع محاولة مواصلة المنهاج الدراسي.
لكن ما يضيع ليس الدرس وحده. فالطالب الذي يغادر منزله من دون أن يعرف إن كان سيتمكن من الوصول إلى المدرسة أو العودة منها في موعده، يحمل إلى الصف قلقا يتجاوز الكتب والامتحانات. وهكذا، يصبح الطريق نفسه جزءا من الأزمة التعليمية.
أحلام صغيرة في وجه التهجير
في حديثهن لـ”عرب 48″، لم تحتج فتيات الأغوار إلى كثير من الأسئلة حتى يبدأن بسرد ما يعشنه. تحدثن عن الحواجز واعتداءات المستوطنين والخوف من التهجير، ثم عدن سريعا إلى أحلام تبدو عادية لطفلات في مثل أعمارهن.
ميرنا، التي تحلم بأن تصبح طبيبة جراحة، تتحدث عن اعتداءات المستوطنين، وتصف ما يتعرض له سكان الأغوار بأنه “تطهير عرقي”.

وعلى مقربة منها، تستعيد رفيف، التي تريد أن تصبح طبيبة أطفال، تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحواجز العسكرية وهجمات المستوطنين. وتقول إنها تخشى، مثل غيرها من الطلبة والطالبات، ما قد يعترض طريقها إلى المدرسة، لكنها سعيدة لأنها ولدت وكبرت وترعرعت في الأغوار.
أما سيناء، فتبدو أكثر حسما في موقفها من الرحيل. لا تتحدث عنه كاحتمال، بل تنفيه بكلمات تختصر موقفها وموقف صديقاتها: “لن نخرج ولن نهاجر”.
ثم تعود إلى أحلامها، كأنها تريد أن تستعيد شيئا من طفولتها، وتكشف أنها تريد أن تصبح مهندسة ديكور.

وبين الخوف من الحواجز والقلق من اعتداءات المستوطنين، تواصل الفتيات رسم مستقبل لا يبدأ بسؤال الرحيل، بل بسؤال ما سيصبحن عليه حين يكبرن. طبيبة جراحة، وطبيبة أطفال، ومهندسة ديكور؛ أحلام تحمل في الأغوار معنى يتجاوز المهن التي يطمحن إليها، لتعبّر عن رغبتهن في أن يكبرن في المكان الذي ولدن فيه، وأن يبقى المستقبل ممكنا فيه.
تعزيز الصمود
وسط هذا الواقع، نظم مركز إعلام وحراك حرية ومنظمات “شراكة السلام” يوما تضامنيا وترفيهيا في مدارس عين البيضاء، بمشاركة أطفال من مناطق مختلفة في الأغوار.
وتضمن اليوم عروضا مسرحية وأنشطة مائية وقراءة قصص وفعاليات للأطفال، إلى جانب الرسم على الوجوه وتوزيع الهدايا والحقائب المدرسية، في محاولة لمنح الأطفال مساحة للفرح مع بداية العام الدراسي.

وبحسب الناشطة في حراك حرية، الدكتورة فاخرة هلون، فإن استهداف مقومات الحياة الفلسطينية، إلى جانب اعتداءات المستوطنين والإجراءات العسكرية، ينعكس مباشرة على الأطفال وحقهم في التعليم والحياة الآمنة.
وتقول هلون إن الفعالية تحاول، ولو لساعات، كسر هذا الواقع وإتاحة مساحة للأطفال للعب والفرح. لكنها تتجاوز، بحسبها، حدود الترفيه، إذ يهدف حضور المتضامنين في مدارس الأغوار إلى تعزيز صمود الأطفال والأهالي في مواجهة ما تصفه بالقمع الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين.
وترى هلون أن توفير الحقائب والكتب لا يكفي لضمان حق الطفل في التعليم، الذي يحتاج أيضا إلى طريق آمن وحرية حركة واستقرار وبيئة لا يعيش فيها تحت تهديد الاعتداء أو التهجير.

ومن هذا المنطلق، تعتبر أن دعم المدارس والأطفال في الأغوار يشكل جزءا من دعم بقاء التجمعات الفلسطينية وقدرتها على التمسك بأرضها ومواصلة حياتها اليومية.
أبعد من التعليم
تربط هلون ما يجري في الأغوار بما تعتبره سياسة أوسع تستهدف الفلسطينيين في مختلف مناطق فلسطين التاريخية، وإن اختلفت الأدوات والآليات من منطقة إلى أخرى.
وتقول إن هذه السياسات تنطلق، بحسب توصيفها، من منطق التفوق اليهودي، وتصب في إضعاف الوجود الفلسطيني ودفع الفلسطينيين إلى الرحيل. وتشير إلى أن فلسطينيي الداخل يواجهون بدورهم أشكالا مختلفة من التضييق على الحيز الفلسطيني، ومحاولات محو الهوية والسيطرة على الأرض.

وفي هذا السياق، لا ترى هلون التعليم ملفا منفصلا عن الأرض والبقاء، فالمدرسة، بالنسبة إليها، جزء من منظومة الحياة التي يحتاج الفلسطيني إلى الحفاظ عليها حتى يتمكن من البقاء في مكانه.
البقاء أولا
وفي إطار مشاريع “مدرسة الحرية – الفوج الخامس”، وبالتعاون مع ناشطين شباب، من بينهم كريم أبو عين، المنحدر من مخيم طولكرم، تتواصل أنشطة تطوعية في الأغوار الشمالية، ولا سيما في عين البيضاء والتجمعات البدوية المهددة بالتهجير، بهدف دعم الأطفال والطلبة وتعزيز صمود الأهالي.
ويقول أبو عين إن يوما تضامنيا واحدا لا يستطيع تغيير واقع تحكمه سياسات وإجراءات مستمرة، لكن أهميته تكمن في منح الأطفال مساحة للفرح ورسم البسمة على وجوههم، بما يعزز ارتباطهم بمكانهم وقدرتهم على الصمود والبقاء.

ويضيف أن المعركة لا تتعلق بالتعليم وحده، بل بمقومات الحياة التي تضمن استمرار الوجود الفلسطيني، من الزراعة ورعي المواشي والمياه إلى المدرسة.
ويربط أبو عين ما يجري في الأغوار بما تعرضت له مخيمات اللاجئين في شمالي الضفة الغربية من تهجير، معتبرا أن القاسم المشترك هو اقتلاع الفلسطينيين من أماكن وجودهم.
لذلك، يرى أن الحضور في الأغوار ودعم الأطفال والأهالي يتجاوزان النشاط التطوعي العابر، ليشكلا جزءا من مواجهة محاولات التهجير والحفاظ على حق الفلسطينيين في البقاء.
الحياة المحاصرة
بالنسبة إلى فقها، لا يمكن فصل أزمة التعليم عن بقية تفاصيل الحياة في الأغوار. فحين تغلق الطرق، يصبح الوصول إلى الطبيب أكثر صعوبة، والوصول إلى الأرض أكثر تعقيدا، وتزداد مشقة الحركة على المزارعين ورعاة الأغنام، فيما تبقى العائلات تحت ضغط دائم لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ويربط رئيس مجلس قروي عين البيضاء بين القيود المفروضة على الحركة والاعتداءات التي يقول إن المزارعين ورعاة الأغنام يتعرضون لها من المستوطنين، وبين الضغوط الاقتصادية التي تجعل الحياة في المنطقة أكثر صعوبة.
ويشير إلى التضييق على مصادر الرزق والمياه والحد من إمكانات التنمية، إلى جانب الاعتداءات والقيود على الحركة، معتبرا أن هذه العوامل تضغط على السكان وتنعكس على استقرار العائلات وقدرتها على توفير حياة طبيعية لأطفالها.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح التعليم واحدا من أكثر القطاعات هشاشة؛ فالمدرسة تحتاج إلى معلم يستطيع الوصول إليها، والطالب يحتاج إلى طريق مفتوح، والأسرة تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار حتى يتمكن أطفالها من مواصلة الدراسة.
أحلام لا تستسلم
ومع ذلك، يواصل الأطفال في عين البيضاء الحديث عن المستقبل.
هادي يريد أن يصبح غواصا، وعبد الرحمن يحلم بالمحاماة والدفاع عن الضعفاء، ومراد يريد أن يصبح معلما، فيما يحلم جاد بأن يصبح طبيبا.

أحلام تبدو عادية في أماكن أخرى، لكنها في الأغوار تحمل معنى إضافيا: التمسك بمستقبل يفترض أن يكون لهم في المكان الذي يعيشون فيه.
فحين يصبح الطريق إلى المدرسة غير مضمون، وتصبح الأرض والمياه ومصادر الرزق مهددة، لا يعود التعليم حقا منفصلا عن بقية الحقوق، بل يصبح جزءا من معركة البقاء.
وربما لهذا تبدو الحقيبة المدرسية في الأغوار أثقل من كتبها؛ فهي تحمل، إلى جانب الدفاتر والكتب، حلم طفل يريد أن يكبر في أرضه، وأن يصل إلى المدرسة ثم يعود منها إلى البيت، ويواصل غدا الطريق نفسه، بدلا من أن يصبح التهجير طريقه البديل.









.jpg)



