"الغارديان": "أونروا" نفّذت عملية سرية استمرت 10 أشهر لإنقاذ أرشيف اللجوء الفلسطيني منذ النكبة
2026 May,16
كشفت صحيفة الغارديان البريطانية تفاصيل عملية سرية استمرت نحو عشرة أشهر، نفذتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، بهدف إنقاذ ملايين الوثائق الأرشيفية التي توثق تجربة اللجوء الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، ونقلها من مقريها في مدينة غزة والقدس المحتلة إلى العاصمة الأردنية عمّان، وسط مخاوف جدية من مصادرتها أو إتلافها من قبل "إسرائيل". وذكرت الصحيفة، في تقرير مطول، أن العملية شارك فيها عشرات من موظفي "أونروا" في أربع دول على الأقل، وتضمنت رحلات محفوفة بالمخاطر لإخراج الوثائق من تحت القصف، إلى جانب نقل مظاريف غير معلمة إلى مصر، وشحن صناديق عبر طائرات عسكرية أردنية. وأوضحت "ذا غارديان" أن الأرشيف يضم بطاقات التسجيل الأصلية للاجئين الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى قطاع غزة عام 1948، إضافة إلى شهادات ميلاد وزواج ووفاة تعود لأجيال متعاقبة، وهي وثائق تتيح للفلسطينيين الذين هجّر أسلافهم تتبع أصولهم في الداخل الفلسطيني المحتل. ونقلت الصحيفة عن المسؤول البارز في "أونروا" المشرف على العملية، روجر هيرن، قوله إن “تدمير هذه الوثائق كان سيشكل كارثة”، مضيفاً: “إذا كان ثمّة حل عادل ودائم لهذا الصراع يوماً ما، فإن هذا هو الدليل الوحيد الذي يمكن للناس استخدامه لإثبات أنه كان هناك فلسطينيون يعيشون في مكان ما”. من جهته، وصف أستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد العلوم السياسية بباريس، جان-بيير فيليو، الوثائق بأنها “محورية في التجربة الفلسطينية”، موضحاً، بحسب الصحيفة، أنها تتضمن “شهادات حول كيفية إجبار الناس على الفرار عام 1948، ومن أين جاؤوا، وأين كانت ممتلكاتهم، وما الذي دُمر”. وأشار فيليو إلى أن نحو 200 ألف فلسطيني وصلوا إلى قطاع غزة بين عامي 1948 و1949 قادمين من مختلف أنحاء فلسطين، في واحدة من أكبر موجات اللجوء التي شهدتها المنطقة. وبحسب التقرير، كانت المرحلة الأولى من العملية هي الأخطر، إذ أصدرت "إسرائيل"، بعد أيام قليلة من بدء اجتياحها قطاع غزة، أوامر بإخلاء مكاتب "أونروا" في مدينة غزة، ما دفع الموظفين الدوليين إلى مغادرة المكان خلال ساعات من دون التمكن من نقل الأرشيف. وقال المدير بالإنابة لشؤون "أونروا" في غزة، سام روز، لـ"ذا غارديان"، إن “هناك خطراً حقيقياً بأن يقتحم الإسرائيليون المكان ويدمروا الوثائق، أو أن تدمر في حريق أو انفجار”. وأضاف روجر هيرن أن الوكالة تعرضت خلال تلك الفترة لـ"هجمات سيبرانية كثيرة جداً يومياً"، في ظل مخاوف حقيقية من فقدان النسخ الأصلية والرقمية للوثائق في آن واحد. ووفق الصحيفة، تمكن فريق صغير من موظفي "أونروا" من العودة إلى مجمع الوكالة في مدينة غزة على متن شاحنات صغيرة مستأجرة، رغم القصف المتواصل، ونفذ ثلاث رحلات لنقل الوثائق جنوباً إلى مستودع للأغذية في مدينة رفح على الحدود مع مصر. غير أن القاهرة، بحسب التقرير، رفضت السماح بإخراج الأرشيف من قطاع غزة من دون التشاور مع "إسرائيل"، فيما كان مسؤولو "أونروا" يخشون أن تدرك سلطات الاحتلال أهمية الوثائق فوراً، وتعمل على مصادرتها أو منع مرورها، مستحضرين حادثة استيلاء الجيش الإسرائيلي على أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية من مكاتبها في بيروت عقب اجتياح لبنان عام 1982. وأمام هذه العقبات، أوكلت المهمة إلى موظفين يحملون جوازات سفر دولية لإخراج الوثائق بعيداً عن الأنظار. ونقلت الصحيفة عن سام روز قوله: “إذا أوقف أحد على المعبر، كان يكتفي بالقول إنه يحمل أوراقاً. كانت هناك جبال من الوثائق يجب إخراجها. الجميع كان يحمل شيئاً”. وأشارت "ذا غارديان" إلى أن الوثائق جُمعت في مصر على مدى ستة أشهر، قبل نقلها إلى عمّان بواسطة جمعية خيرية أردنية استخدمت طائرات سلاح الجو الملكي الأردني خلال رحلات عودتها بعد إيصال المساعدات إلى قطاع غزة. وأضافت أن آخر شحنة من الوثائق خرجت قبل أسبوعين فقط من اجتياح الدبابات الإسرائيلية لمدينة رفح في مايو/أيار 2024، وهو ما أدى لاحقاً إلى إغلاق الطريق بشكل كامل. وفي موازاة ذلك، كانت هناك مجموعة أخرى لا تقل أهمية من الوثائق محفوظة داخل مجمع "أونروا" في القدس المحتلة. وذكرت الصحيفة أن المجمع تعرض، منذ مطلع عام 2024، لاحتجاجات وسلسلة من هجمات الحرق المتعمد، ما ألحق أضراراً واسعة بالمكان، بالتزامن مع تصاعد الحملة الإسرائيلية ضد الوكالة ومحاولات طردها. وبعد فشل محاولات إقناع بعثات دبلوماسية صديقة بتخزين الأرشيف، جرى نقل هذه الوثائق أيضاً بصورة سرية عبر موظفين إلى مكاتب "أونروا" في الأردن على مدى عدة أشهر. ولفت التقرير إلى أنه في يناير/كانون الثاني 2025 دخلت حيز التنفيذ قوانين إسرائيلية جديدة تحظر عمل الوكالة داخل "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية المحتلة. وأشارت الصحيفة إلى أن أكثر من خمسين موظفاً يعملون حالياً داخل قبو ضيق في العاصمة الأردنية عمّان، بتمويل أساسي من لوكسمبورغ، على رقمنة بطاقات تسجيل اللاجئين الأصلية وملايين الوثائق الأخرى يدوياً. ووفق التقرير، جرى حتى الآن رقمنة نحو 30 مليون وثيقة، فيما تسعى "أونروا" إلى تزويد كل لاجئ فلسطيني بشجرة عائلته والوثائق الداعمة لها، إلى جانب إعداد خرائط لأنماط التهجير الفلسطيني عام 1948، في مهمة قد تستغرق عامين إضافيين.