الرياض/سما- اتجهت العاصمة السعودية الرياض في السنوات الأخيرة نحو تحويل مساحاتها العامة إلى منصة فنية مستمرة، بعد أن غادرت الأعمال الإبداعية جدران المتاحف والمعارض التقليدية لتستقر في محطات المترو والساحات العامة والجسور والطرقات الحيوية، مجسّدة رؤية تطمح لجعل المدينة حاضنة تفاعلية للفنون على المستويين المحلي والعالمي.
تتوزّع هذه الأعمال الفنية البالغ عددها 75 عملاً في مواقع متنوعة عبر أرجاء العاصمة، حيث يستقبل مسافرو محطة قطار قصر الحكم تركيباً فنياً غامراً بعنوان «لما اكتمل القمر» من تصميم الفنان السعودي زمان جاسم، يمزج بين الأقراص المضيئة والعروض البصرية المسقطة والطبقات الصوتية المتعددة إلى جانب الشعر والخط العربي، ويستحضر القمر كرمز للوداع والتجدد والذاكرة، مستمداً إلهامه من ممارسات الفنان في استكشاف الروحانية والهوية الثقافية، ومستفيداً من موقعه داخل محطة النقل لفتح مساحات تأملية في مكان يرتبط بالحركة والرحلات المستمرة.
في مركز الملك عبدالله المالي «كافد»، تحتل عدة أعمال عالمية مساحة بصرية مركزية، فمنحوتة بعنوان «جايني وايني» للنحات الأمريكي ألكسندر كالدر، أحد روّاد النحت الحركي في القرن العشرين والمنفذة عام 1969 من فولاذ مطلي، توحي بالحركة عبر توازن مستوياتها ومنحنياتها، بحيث يتغيّر إدراك المشاهد لها مع كل تحرك حوله، بينما يعرض الفنان الهندي سوبوده غوبتا عمله «شجرة العائلة» المنجز عام 2020، وهو نحت ضخم من الفولاذ المقاوم للصدأ يحاكي شجرة بيبال، مستخدماً الأدوات المنزلية اليومية للاستقصاء حول الهوية والهجرة والعمل والتحولات الاقتصادية، ليصبح العمل بعد تركيبه نقطة تجمع حيوية في القلب التجاري للمنطقة.
بالقرب من هذه الأعمال، تُعرّف صيغة «LOVE» الشهيرة للفنان الأمريكي روبرت إنديانا المثبّتة في ساحة الوصول بـ«كافد»، وهي مؤلفة من أربعة حروف يتوسطها حرف «O» مائل، وقد ارتبطت هذه الصيغة بالفنان منذ ستينيات القرن الماضي، محوّلة الكلمة البسيطة إلى بناء بصري يجمع بين اللغة والفن والثقافة الشعبية.
في الحي الدبلوماسي بالرياض، يعرض الفنان الأمريكي جيف كونز عمله «ألماسة أحمر» أمام قصر الثقافة، وهو نحت من الفولاذ المصقول بعناية عالية يحاكي هيئة حجر كريم ضخم متعدد الأوجه، حيث تعكس أسطحه الاثنتان والخمسون العمارة المحيطة والضوء والجمهور بشكل مستمر، فتتحوّل صورته باستمرار تبعاً لزاوية النظر والإضاءة المحيطة.
عند تقاطع طريق الملك عبدالعزيز مع طريق هشام بن عبدالملك، يمتدّ عمل «الجري إلى ما وراء» للفنان الإيطالي أنجيلو بونيلو فوق جسر للمشاة، حيث يحوّل هيئة الجسد الإنساني أثناء الحركة إلى سلسلة من الظلال المضيئة بتقنية الإضاءة الديودية LED، مشكّلاً دورة بصرية توحي بالانطلاق والاستمرار والعودة إلى الأصل.
يندرج هذا الانتشار الواسع للفن العام ضمن برنامج «الرياض آرت»، أحد المشاريع الكبرى للعاصمة، الذي أُطلق في مارس 2019 بهدف تحويل الرياض إلى معرض فني مفتوح يتجاوز حدود الفضاءات التقليدية، وذلك من خلال تنفيذ أعمال فنية لفنانين سعوديين ودوليين وعرضها في مختلف أنحاء المدينة، شاملة الأحياء السكنية والحدائق والمتنزهات والميادين ومحطات النقل والجسور ومداخل المدينة والمواقع العامة الحيوية.
تتقاطع الأعمال الموزعة في جميع هذه المواقع في فضاء واحد متسع يمتدّ عبر نسيج العاصمة، وتنتمي إلى مدارس فنية متعددة وتستخدم وسائط متنوعة بين الضوء والفولاذ والصوت والكلمة والأشياء اليومية، لكنها توحّدها رغبة مشتركة في جعل الفن جزءاً من الطرق والساحات والمحطات ومواقع العمل، منحية المدينة حضوراً بصرياً متجدداً يومياً.
يكشف هذا التنوّع الفني عن أحد أبرز ملامح تطور الفن العام في الرياض، إذ تتسامى الأعمال فوق قيمتها الجمالية وحدها لتندمج بعمق في النسيج الحضري الذي تحتضنه، وتتفاعل مع طرق تعامل الجمهور معها في سياق حياته اليومية المعتادة، وتجمع المجموعة الدائمة لبرنامج «الرياض آرت» بين أسماء سعودية وعالمية معروفة في شبكة فنية تتسع عبر المدينة، مضيفة أبعاداً بصرية جديدة إلى الطرق والساحات والمحطات والمناطق الثقافية والاقتصادية.
يتكامل هذا المسار مع برامج أخرى تابعة لـ«الرياض آرت» مثل مشروع «نور الرياض» وملتقى طويق للنحت، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم لإنتاج أعمال نحتية باستخدام أحجار مستخرجة من أراضي المملكة، لتصير أعمالاً عامة دائمة تثري المشهد الثقافي والبصري للعاصمة.
يأتي تطوير الفن العام في الرياض ضمن التحولات الشاملة التي تشهدها العاصمة في إطار رؤية السعودية 2030، وما توليه من اهتمام متزايد بتعزيز جودة الحياة وتنمية القطاع الثقافي والإبداعي، وتعميق مكانة الرياض كوجهة عالمية رائدة للفنون والثقافة والتبادل الإبداعي.
