مدار نيوز \
يدخل نحو 640 ألف إسرائيلي تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عامًا إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى في الانتخابات المقبلة، بما يعادل قوة انتخابية تقدر بنحو ستة مقاعد عند احتساب نسبة تصويت تقارب 60%، فيما لا يزال نحو 30% منهم مترددين في اختيار الحزب الذي سيصوتون له.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “هآرتس”، الأربعاء، باتت هذه الكتلة موضع تنافس متزايد بين الأحزاب قبل نحو شهرين من الانتخابات، خصوصًا أنها تنتمي إلى جيل تشكل وعيه السياسي والاجتماعي خلال جائحة كورونا، ثم هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر والحرب، ويتلقى جانبًا كبيرًا من معلوماته عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وتشير معطيات عرضها التقرير إلى مفارقة بين استعداد الشباب للمشاركة في الانتخابات وبين ابتعاد قسم كبير منهم عن النشاط السياسي المنظم وانخفاض ثقتهم بالسياسيين، في وقت باتت فيه المنصات الرقمية إحدى القنوات الأساسية التي تتشكل من خلالها مواقفهم.
ففي استطلاع أجراه “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية” في أيار/ مايو الماضي وشمل 576 شابًا وشابة بين 18 و22 عامًا، قال أكثر من 90% إنهم متأكدون أو يرجحون أنهم سيصوتون في الانتخابات، فيما رأى 82% أن إمكانية التصويت مهمة بالنسبة إليهم، واعتقدت نسبة مماثلة أن التصويت قادر على التأثير في الواقع.
كما عرّف 62% أنفسهم بأنهم مهتمون بالسياسة، لكن 64% قالوا إنهم لا يبحثون بأنفسهم عن محتوى سياسي على شبكات التواصل الاجتماعي. ولم يسبق لنحو ثلثي الشباب اليهود و84% من الشباب العرب المشاركة في نشاط سياسي، فيما قال 82% من اليهود و53% من العرب إنهم لا يثقون بالسياسيين.
السياسة تصل إليهم عبر الشاشة
ويربط التقرير بين هذا التباعد عن السياسة التقليدية وبين ضعف ما تصفه الخبيرة في “المعهد الإسرائيلي للديمقراطية”، تامي هوفمان، بالتربية الديمقراطية الفعلية، معتبرة أن تدريس مبادئ المواطنة والمؤسسات الرسمية لا يكفي لتزويد الشباب بالأدوات اللازمة لفحص المواقف والخيارات السياسية.
وقالت إن “دروس المدنيات ليست تربية على الديمقراطية”، موضحة أنها تعلم الطلاب ماهية الكنيست وكيف تتشكل الحكومة وصلاحيات المحكمة، فيما يفترض بالتربية الديمقراطية أن تعلمهم “كيف يفحصون موقفًا، وكيف يديرون نقاشًا مع رأي مختلف، ولمن يمنحون القوة بالضبط عندما يصوتون”.
وأضافت أنه “في دولة ديمقراطية لا يكفي أن يخرج المواطنون للتصويت”، مشددة على ضرورة امتلاكهم حدًا أدنى من القدرة على تقييم الخيارات وتبعاتها.
وفي ظل غياب هذه الوساطة، تصل السياسة إلى كثير من الناخبين الجدد أثناء تصفحهم للهواتف. ووفق استطلاع المعهد، يعتمد 58% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عامًا بصورة أساسية على شبكات التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات.
وتظهر المواد السياسية أمامهم وسط المحتوى اليومي من دون أن يبحثوا عنها بالضرورة، بما يترك لهم مهمة تقرير ما إذا كان السياسي أو صاحب المحتوى الذي يشاهدونه يقدم معلومات صحيحة، أو يحاول التأثير عليهم، أو يستحق أصواتهم.
ويعرض التقرير نموذجًا لناخب يبلغ 18 عامًا من وسط البلاد، نشأ في عائلة تصوت لليكود لكنه يحاول بلورة موقف مستقل، ويتجه مبدئيًا نحو نفتالي بينيت من دون أن يحسم خياره.
ويقول إنه بات يتوقف أمام المقاطع السياسية كلما اقترب موعد الانتخابات، لكنه ينظر بريبة إلى محاولات السياسيين استخدام الشباب والجنود والمتطوعين في محتوى دعائي على شبكات التواصل.
كما ينتقد مقاطع بنيامين نتنياهو والاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الدعاية، قائلًا: “يحاولون صناعة الأشياء بالقوة، وأنا لا أحب ذلك. هذا لا يقنعنا كشباب. ما يهمني هو أن أعرف ماذا تقدم، لكنهم يريدون التسويق”.
يمين ويسار؟ تقسيم لا يقنع الجميع
ويلفت التقرير إلى تكرار شعور بعدم الارتياح لدى شبان تحدثت إليهم الصحيفة إزاء التقسيم التقليدي بين “يمين” و”يسار”، إذ يعتبره بعضهم قديمًا أو غير قادر على التعبير عن مواقفهم المركبة. وقال أحد الناخبين الجدد: “هناك أمور أكون فيها يمينيًا وأمور أكون فيها يساريًا، فماذا أكون إذًا؟ في الوسط؟”.
لكن هذا النفور من التصنيفات لا يعني بالضرورة تحرك الجيل الجديد نحو الوسط السياسي. إذ أظهر استطلاع آخر نُشر في نيسان/ أبريل الماضي أن 58% من الإسرائيليين بين 18 و22 عامًا عرّفوا أنفسهم بأنهم من اليمين، مقابل 8% فقط عرّفوا أنفسهم باعتبارهم من اليسار أو يسار الوسط.
وتبرز في هذه الفئة قوة حزب “عوتسما يهوديت” برئاسة إيتمار بن غفير. فبينما تمنحه معدلات استطلاعات الرأي العامة نحو ثمانية مقاعد، أظهر الاستطلاع ذاته أن قوته بين أبناء هذه الفئة العمرية تعادل نحو 14 مقعدًا.
“عوتسما يهوديت”: رسائل قصيرة ومباشرة
ويربط التقرير بين قوة الحزب لدى الشباب وبين استثمار منظم في الوصول إليهم. ففي المقرات المناطقية للحزب، تنشط مجموعات شبابية في وضع اللافتات وتنظيم اللقاءات والنشاط الميداني.
كما بدأ الحزب خلال الأسابيع الأخيرة تشغيل حافلة تحمل اسمًا دعائيًا وتجوب مواقع يتجمع فيها شبان يُعتقد أنهم يميلون إلى التصويت له، بينها شواطئ بحيرة طبرية ومتنزهات في طبرية وصفد.
وقال مسؤول بارز في الحزب إن الهدف هو الوصول إلى الشباب خلال أوقات الترفيه، مدعيًا أن ما بين 30% و40% من المشاركين في بعض فعاليات الحزب تقل أعمارهم عن 30 عامًا.
وأشار المسؤول إلى اعتماد الحزب رسائل سياسية شديدة الاختصار، وقال إن شعارًا مثل “عقوبة الإعدام للمخربين” لا يحتاج، بحسب رأيه، إلى مزيد من الشرح، مضيفًا: “في ثلاث كلمات يمكنك أن تجعل الشباب يتواصلون معك. الآخرون ينقلون رسائل معقدة، أما نحن فنعرف كيف نبسط الأمور”.
ويقدم التقرير ذلك بوصفه أحد أنماط التنافس على جيل يستهلك قدرًا كبيرًا من المحتوى السياسي في صيغ قصيرة وسريعة، لكنه في الوقت نفسه يبدي حساسية متزايدة تجاه ما يعتبره محتوى مصطنعًا أو دعائيًا بصورة مفرطة.
حضور السياسي على الشاشة يسبق مواقفه أحيانًا
ويقول خبير في ثقافة الشباب والتسويق لهذه الفئة، يانيف فايتسمان، إن أول ما يؤثر في قدرة السياسي على الوصول إلى الناخبين الجدد هو وجوده أصلًا على شاشاتهم.
وفي استطلاع أجراه في أيار/ مايو وشمل 500 ناخب يصوتون للمرة الأولى، سأل المشاركين عن السياسيين الذين يعرفونهم. وجاء نتنياهو أولًا، ويائير لبيد ثانيًا، بينما احتلت شخصية سياسية شابة تنشط بكثافة على شبكات التواصل مرتبة متقدمة رغم محدودية وزنها السياسي الفعلي.
وبحسب الخبير، فإن الأهم في هذه المرحلة ليس بالضرورة موقف الشباب منها، بل مجرد كونها “موجودة لديهم” في الفضاء الرقمي. غير أنه يرصد في الوقت نفسه ما يعتبره إرهاقًا متزايدًا لدى قسم من الشباب من الخطاب الصاخب ومحاولات التخويف والصدمات المتواصلة.
ويربط ذلك بجيل عاش جائحة كورونا وخمس جولات انتخابية والأزمة المرتبطة بالتغييرات القضائية ثم هجوم 7 أكتوبر والحرب، معتبرًا أن بعض هؤلاء بدأ يبحث عن سياسيين يتحدثون إليهم بجدية ويعاملونهم كجمهور له مطالب، لا باعتبارهم مجرد أصوات انتخابية.
ويطلق الخبير على هذه الفئة وصف “العاديين”، ويرى أنها تتموضع داخل التيار الإسرائيلي العام وتزداد تحفظًا على الأطراف السياسية، متوقعًا بحث جزء منها مجددًا عن “الوسط، والطبيعية، والرسمية، وشيء أقل صخبًا”.
لكن خبيرة التربية الديمقراطية، هوفمان، تحذر من قراءة هذا التوجه باعتباره بالضرورة ابتعادًا إيجابيًا عن الاستقطاب، معتبرة أن رفض الانقسام بين اليمين واليسار يمكن أن يخفي أيضًا عزوفًا عن النقاش السياسي نفسه.
وقالت إن هناك “عملية تدريجية لإفراغ المجال السياسي من السياسة”، مشيرة إلى أن قضايا مثل حدود الدولة وتوزيع الموارد والدين والدولة والعلاقة مع الأقليات لا تختفي بمجرد رفض التصنيفات التقليدية.
الأحزاب تبحث عن “الأصالة”
ولا يقتصر السباق على الأحزاب اليمينية. فقد أنشأ حزب “الديمقراطيين” مقرًا خاصًا بالناخبين الذين يصوتون للمرة الأولى، في محاولة لمنح الشباب أنفسهم دورًا في تحديد كيفية مخاطبة أبناء جيلهم.
وتقول عضوة كنيست، نعاما لازيمي، التي تقف خلف المبادرة إن محاولاتها الأولى للتوجه إلى الشباب عبر شبكات التواصل بدت لها “محرجة جدًا”، لكنها خلصت بعد 7 أكتوبر إلى أن الحضور في هذه المنصات لم يعد خيارًا.
وأضافت أن الشباب “يميزون الأصالة ويحبونها، وكل ما هو مصطنع يرفضونه”، معتبرة أن المقاطع العفوية قد تنجح أحيانًا أكثر من المواد المعدة مسبقًا.
وفي المقابل، تقول إنها تواصل نشر نصوص سياسية وأيديولوجية طويلة رغم الاعتقاد السائد بأن الشباب لا يستهلكون هذا النوع من المحتوى.
وقالت: “أنا لست مؤثرة ولا أبيع كوبونات خصم. أنا سياسية، وما أبيعه هو فكرة”، مضيفة أن بعض الشباب قد يصلون عبر صيحة على الشبكات، فيما يصل آخرون عبر نص أيديولوجي، وأن محاولة “فك شفرة الخوارزمية” ليست كافية بقدر الحديث معهم بصورة مباشرة وصادقة.
وتخلص الصورة التي يعرضها التقرير إلى أن كتلة الناخبين الجدد لا تشكل جمهورًا سياسيًا متجانسًا، رغم الميل اليميني الواضح الذي تظهره الاستطلاعات. فهي تجمع بين رغبة مرتفعة في التصويت، وثقة ضعيفة بالسياسيين، واعتماد كبير على شبكات التواصل الاجتماعي، ونفور من الخطاب الحزبي التقليدي.
وفي ظل بقاء نحو 30% من هذه الكتلة من دون قرار انتخابي محسوم، تتحول المنافسة عليها إلى واحدة من ساحات الحملة الانتخابية، بين أحزاب تراهن على الرسائل القصيرة والحضور المكثف على المنصات الرقمية، وأخرى تحاول إقناع هؤلاء الناخبين بأنها قادرة على مخاطبتهم من دون أن تختزلهم في أصوات عند الصندوق.






