14 يونيو... يوم أصبح الوطن هو الضحية الأولى ..جمال خالد الفاضي

14 يونيو... يوم أصبح الوطن هو الضحية الأولى ..جمال خالد الفاضي

حين تتحول الأيديولوجيا إلى وطن، يصبح الوطن هو الضحية الأولى. في الرابع عشر من يونيو لا نستذكر مجرد انقسام سياسي، بل نستذكر اليوم الذي انتصرت فيه الجماعة على الوطن، والسلاح على الشرعية، والآيديولوجيا على المصلحة الوطنية. نستذكر اليوم الذي سقطت فيه فكرة الشراكة الوطنية، وبدأت مرحلة احتكار الحقيقة والوطن والقرار، ونستذكر الحقيقة التي أثبتتها تجارب التاريخ: أن كل جماعة تعتقد أنها الوطن، تنتهي في النهاية إلى تدمير الوطن.

في الرابع عشر من يونيو نستذكر اليوم الذي اختُطفت فيه غزة من مشروعها الوطني، وأُخذ فيه سكان غزة رهائن لسلطة فرضت نفسها بقوة ولحسابات تنظيمية ضيقة، لم ترَ في الوطن سوى مساحة للسيطرة، وفي الشعب سوى وقود لمعاركها وصراعاتها. إنه اليوم الذي انتصر فيه السلاح على السياسة، والآيديولوجيا على الوطنية، والتنظيم على الدولة، والولاء الحزبي على الانتماء لفلسطين. ومنذ تلك اللحظة، برز تجار الدم الذين استثمروا في معاناة الناس، وتجار الخوف الذين حكموا المجتمع بالترهيب والتخوين، وتجار الوهم الذين باعوا الفلسطينيين شعارات النصر فيما كانت الوقائع تقودهم من كارثة إلى أخرى.

في ذلك اليوم بدأت مرحلة احتكار الحقيقة الوطنية، وكأن فلسطين اختُزلت في جماعة، والوطن في تنظيم، والشعب في جمهور لا يُطلب منه سوى التصفيق والطاعة. أُقصي الآخر، وشُوّه المختلف، وحُوربت التعددية، وتراجع المشروع الوطني لصالح مشروع آيديولوجي مغلق لا يعترف بالشراكة ولا يؤمن بالدولة ولا يقبل بالتنوع السياسي والاجتماعي.

لقد مثّل انقلاب 2007 انتصارًا للفكر الإقصائي والظلامي على فكرة الوطن الجامع، وتحول قطاع غزة إلى ساحة تجارب لمغامرات سياسية وعسكرية دفعت أثمانها الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، بينما استمرت القيادات في تبرير الفشل وإعادة إنتاج الأزمات والهروب من المساءلة.

ولم تكن النتيجة سوى سنوات من الانقسام والحصار والفقر والهجرة واليأس وتآكل المؤسسات الوطنية وتراجع القضية الفلسطينية على المستويات كافة. أما الاحتلال، فقد تلقى من هذا الإنقلاب هدية استراتيجية لم يكن يحلم بها لتكريس سياساته وتعميق السيطرة على الأرض والشعب الفلسطيني.

إن ذكرى الرابع عشر من يونيو ليست مجرد ذكرى سوداء، بل هي ذكرى اللحظة التي جرى فيها تفتيت أحلام الناس وآمالهم بالدولة والاستقلال والوحدة الوطنية، وتحويل غزة إلى رهينة لمشروع يرتبط بحسابات وأجندات تتجاوز المصلحة الفلسطينية، بينما ظل المواطن الفلسطيني وحده يدفع الثمن من دمه ومستقبله وكرامته. ولعل المأساة الأكبر أن الذين وعدوا الناس بالتحرير، انتهوا إلى مصادرة حقهم في الاختيار، والذين رفعوا شعار المقاومة، انتهوا إلى بناء سلطة لا تقبل المساءلة، والذين تحدثوا باسم الشعب، تعاملوا مع الشعب باعتباره تابعًا لا شريكًاً.

إن أخطر ما في تجربة الإنقلاب ليس ما حدث في الرابع عشر من يونيو فحسب، بل أن هناك من ما زال حتى اليوم يعتقد أنه كان على صواب، ويرفض مراجعة التجربة أو الاعتراف بكلفتها الوطنية والإنسانية الكارثية. فالجماعات التي تحتكر الحقيقة لا تتعلم من أخطائها، والتي ترى نفسها فوق الوطن لا تتوقف عند حدود ما ألحقته به من أضرار.

إن من يعتقد أن الوطن ملكٌ لتنظيم، وأن الوطنية حكرٌ على جماعة، وأن المخالف خائن أو متآمر، لا يشكل خطرًا على خصومه السياسيين فقط، بل على فكرة الوطن نفسها. فالأوطان تُبنى بالشراكة والتعددية والاعتراف بالآخر، لا بالإقصاء والتخوين وفرض الإرادة بالقوة.

ولعل الدرس الأهم بعد كل هذه السنوات هو أن الفكر الذي يرفض النقد والمراجعة ويقدّس ذاته، يبقى قادرًا على إنتاج الأزمات نفسها مهما تبدلت الظروف. لذلك فإن معركة الفلسطينيين ليست فقط مع الاحتلال، بل أيضًا مع كل عقلية ما زالت ترى في الانقسام إنجازًا، وفي احتكار القرار حقًا، وفي معاناة الناس ثمنًا مقبولًا لبقاء التنظيم واستمرار سلطته. فطالما بقي هذا التفكير حاضرًا في الحياة السياسية الفلسطينية، ستبقى إمكانية إعادة إنتاج الكارثة قائمة، وسيبقى الوطن مهددًا بمنطق الجماعة الذي أثبت، على مدار سنوات طويلة، إنه كان قادرًا على التضحية بكل شيء: الوحدة الوطنية، والمؤسسات، ومستقبل الناس، من أجل بقاء الجماعة واستمرار سلطتها.

 

 

أحدث الأخبار