هل تنتقل إيران بعد الحرب من العتبة النووية إلى الردع النووي د. سنية الحسيني

هل تنتقل إيران بعد الحرب من العتبة النووية إلى الردع النووي د. سنية الحسيني

غيرت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في الأشهر الماضية العديد من عوامل الصراع، فبالإضافة إلى العامل الاقتصادي الذي فرضته إيران بتعطيل العمل في مضيق هرمز، لا يبدو الملف النووي أقل أهمية. قبل أسابيع، لوّحت إيران، عبر مصادر إعلامية قريبة من الحرس الثوري وتصريحات منسوبة لمصادر عسكرية، بأنها لا تزال تملك أسلحة متقدمة لم تستخدمها بعد، وهو ما يفتح سؤالاً أوسع حول طبيعة الردع الإيراني وحدوده، وما إذا كان الملف النووي قد أصبح جزءاً من هذا الردع غير المعلن. لا يتمحور الجدل اليوم حول ما إذا كانت إيران تمتلك القدرة التقنية النووية، بل حول ما إذا كانت قد اتخذت القرار السياسي بامتلاك سلاح ردعي نووي. في 25 آذار الماضي، عرضت إدارة ترامب خطة سلام على إيران، تضمنت قيودًا على البرنامج النووي الإيراني، مثل تفكيك جميع المنشآت النووية، وتسليم جميع المواد والمعدات النووية إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعدم تخصيب اليورانيوم مجددًا. وردّت إيران بأنها مستعدة لتقديم جميع الضمانات اللازمة بعدم تطويرها لأسلحة نووية، والاحتفاظ بحقها في استخدام التكنولوجيا النووية سلميًا، وهو ما عكس ذات الموقف قي إتفاق عام 2015. ورغم ذلك شكلت الحرب على إيران فصلاً جديداً من فصول توتر العلاقات وانعدام الثقة الإيرانية بالطرف الأميركي، كما حدث ذلك من قبل بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي في العام 2018، واستهداف منشأة نطنز في العام 2021، والذي اعتبر اعتداءً على سيادة إيران الوطنية، وهو الأمر الذي شكل مرحلة مهمة في ذلك التوتر.

بدأت ارهاصات الملف النووي الإيراني في خمسينيات القرن الماضي، في عهد الشاه، ودعمت الولايات المتحدة إيران في تطوير برنامجها النووي خلال سبعينيات ذلك القرن بشكل بارز، عندما كانت إيران من بين حلفاء الولايات المتحدة المقربين في المنطقة. بعد قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 أصبحت الولايات المتحدة من أبرز الداعين لإلغاء البرنامج النووي الإيراني، واعتبرته خطرا على الاستقرار الإقليمي. في العام 1992  اتهم بنيامين نتنياهو إيران باقترابها من انتاج سلاح نووي، وفي العام 1995 اتهم الرئيس بيل كلنتون إيران بسعيها لانتاج قنبلة نووية. في ظل تصاعد الاتهامات لإيران بوجود مواقع سرية لتخصيب اليورانيوم، وفرض عقوبات غربية عليها في العام 2002 برزت فتوى المرشد الإيراني الأعلى السابق على خامنئي في العام التالي، والتي شددت على عدم توجه إيران لامتلاك السلاح النووي، وبات ذلك التوجه جزءا أساسياً من الخطاب الرسمي الإيراني. وفي 2012 أكد خامنئي أن امتلاك السلاح النووي غير مشروع دينياً، وإن إيران لا ترى فيه مصدر قوة. عكس ذلك التوجه موقف إيران بالسعي للحصول على التكنولوجيا النووية السلمية. وتجسد ذلك التوجه وأثبت مصداقيته بدخول إيران لمفاوضات مع الولايات المتحدة حول ملفها النووي ورفع العقوبات عنها، وتوقيع الاتفاق النووي في العام 2015، في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما. قبلت إيران في ظل هذا الاتفاق بالالتزام بنسبة تخصيب منخفضة وبالسماح للرقابة الدولية على برنامجها النووي. بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق بقرار منفرد في العام 2018 عادت العقوبات على إيران، وتوسعت إيران في ملفها النووي، لكن دون إعلان عن قرار سياسي بإنتاج السلاح.

قبل العام 2010، وقف مستوى التخصيب عند نسبة 3.5 في المائة، إلا أن تعثر صفقة وقود مفاعل طهران البحثي في العام 2009، بسبب انعدام الثقة المتبادلة بين إيران والغرب، واكتشاف فيروس Stuxnet الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي في نطنز في العام التالي، وموجة الاغتيالاتت التي استهدفت علماء نوويين إيرانيين، أدى إلى إعلان إيران بدء التخصيب بنسبة 20%، بحجة الحاجة لتوفير وقود مفاعل طهران البحثي.

وبعد أن عادت إيران والتزمت بنسبة تخصيب 3.67 في المائة بعد توقيعها على الاتفاق النووي عام 2015، تراجعت عن ذلك في أعقاب الانسحاب الأميركي منها ورفعت التخصيب إلى 4.5 في المائة. إلا أن إيران عادت ورفعت نسبة التخصيب إلى 20 في المائة مطلع العام 2021، في قفزة جاءت في أعقاب عام سابق شكل محطة مهمة في تصاعد الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران. فبالاضافة إلى إعادة فرض عقوبات أميركية قصوى عليها، اغتالت الولايات المتحدة مطلع العام 2020 قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وهو ما اعتبرته إيران اعتداءً على قيادتها العسكرية العليا، وأعلنت أنها لم تعد ملتزمة بقيود الاتفاق النووي المتعلقة بعدد أجهزة الطرد المركزي ومستويات التخصيب. في ذلك العام أيضاً تعرضت منشأة نطنز لتفجير، واتهمت إيران إسرائيل بالوقوف وراءه. كما جرى اغتيال محسن فخري زاده أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني في إيران. بعد الهجوم التالي على نطنز في العام  2021، رفعت إيران نسبة التخصيب إلى 60 في المائة في تطور نوعي.

شكل العام 2021 مفصلاً مهماً، ليس فقط في رفع نسبة التخصيب، بل أيضاً في التصريحات والمواقف الإيرانية. فقد اعتبر وزير الاستخبارات الإيراني السابق محمود علوي أن ضغط الغرب على إيران قد يدفعها لإنتاج سلاح نووي. فتح ذلك التصريح الطريق أمام مزيد من التصريحات، فاعتبر كمال خرازي، مستشار المرشد الأعلى ورئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، في العام 2024 أن وجود التهديد ضد إيران قد يدفعها لتغيير عقيدتها النووية. في ذلك العام، ظهرت أيضاً دعوات من نواب برلمانيين محافظين لمراجعة العقيدة النووية باتجاه اقتناء السلاح كقوة دفاعية ردعية، وهي المقاربة التي شددت عليها أيضاً منابر إعلامية قريبة من الحرس الثوري. على الرغم من استمرار التصريحات الإيرانية في العام الجاري النافية لتوجه إيران بالحصول على السلاح النووي، إلا أن ذلك لم يعد بالأمر المستبعد، خصوصاً في ظل التصريحات السابقة، وفي ظل التطور النوعي للتكنولوجيا النووية، وفي إطار تراجع الثقة بالولايات المتحدة.

تعتبر إيران دولة على العتبة النووية، بسبب امتلاكها لمقومات عديدة على رأسها مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، ويحتاج الاستخدام السلمي لنسبة تخصيب تتراوح ما بين 3 و5 في المائة فقط. امتلكت إيران قبل الهجوم عليها نحو 440.9 كغم من هذا المخزون، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولم يعرف إن كان قد تضرر بفعل الهجوم، وما هي نسبة ذلك التضرر. تمتلك إيران كذلك معرفة علمية نووية تراكمت ونضجت، خصوصا خلال العقدين الماضيين. اقترنت القدرة العلمية النووية الإيرانية ببناء بنية تحتية واسعة وتكنولوجيا تطوير أجهزة طرد مركزي ومعدات انتاج موزعة في أنحاء البلاد الواسعة، بعضها سري. وتشغل إيران العديد من مفاعلات الأبحاث والطاقة النووية، بما في ذلك مفاعل طاقة تديره روسيا في محطة بوشهر للطاقة النووية. وهناك أجهزة طرد مركزي مخزنة في منشآت سرية تحت الأرض. لم يتم التحقق من مدى وحدود تعطيل تلك القدرات بعد الهجوم الأخير بسبب سرية معظمها. بعد وقف إطلاق للنار، صرّح ترامب بأن اليورانيوم الإيراني "مدفون في أعماق الأرض، وسيكون من الصعب على أي شخص الوصول إليه". كما تمتلك إيران قدرات صاروخية باليستية، ومساعي مستمرة لتطويرها، وهو ذلك النوع من الصواريخ القادر على حمل الرؤوس النووية.   

   

أكد الدكتور يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقاً، خلال مقابلة على قناة الجزيرة، أن إيران نقلت المواد عالية التخصيب إلى مواقع آمنة تحت الأرض قبل بدء الهجمات، ولم يتم استهداف المواقع المحصنة تحت الأرض بالكامل. ويعتقد الخبير الأممي السابق أن ما تضرر فقط جزء صغير من اليورانيوم المخصب، ولا أحد غير الإيرانيين يعرف مكانه الحالي. يعتقد مجلس العلاقات الخارجية CFR الأميركي أن إيران لا تملك سلاحاً نووياً حتى الآن، لكنه يقر بأنها تملك المعرفة والبنية التي قد تسمح لها بالإنتاج خلال مدة قصيرة إذا توفر القرار السياسي. وهو ذات الأمر الذي أكد عليه معهد العلوم والأمن الدولي ISIS الأميركي، فأشار إلى أن إيران تملك “برامج جاهزة” يمكن أن تساعدها على إنتاج سلاح نووي. اعتبر أبو شادي، أن 42 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% تكفي لصناعة قنبلة ذرية ضعيفة. وبما أن إيران تمتلك أكثر من 440 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب، بنسبة 60 في المائة، أي ما يكفي لصناعة حوالي 10 قنابل ضعيفة. وتحتاج إيران لرفع نسبة التخصيب إلى 90% لإنتاج قنابل فعالة، وهو الأمر الممكن. فقد أنجزت إيران برفع نسبة التخصيب إلى 60 في المائة الجهد الأكبر المطلوب مقارنة بالمراحل السابقة للوصول لنسبة التخصيب اللازمة للسلاح. فكلما ارتفعت نسبة التخصيب، أمكن تحقيق نفس التأثير النووي باستخدام كمية أقل من المادة الانشطارية، وهو ما يحتاجه العمل لمدة شهر واحد لتحقيقه بالنسبة لإيران. ويعتقد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS الأميركي أن توافق وزن وحجم وشكل الرأس مع الصاروخ مسألة أساسية في التسليح النووي الصاروخي. وتمتلك إيران صواريخ باليستية، متوسطة المدى، يمكن أن تستخدم لحمل الرؤوس النووية، وتعمل بشكل متواصل على تطوير قدراتها الصاروخية، لكن دون إفصاح عن حدود ومستوى ذلك التطور. وتقدر CSIS أن نجاح إيران في تصغير الرأس النووي، يجعل صواريخ إيران ذات قدرة نووية. تعد التفجيرات التجريبية مؤشراً مهماً على اتخاذ مثل هذا القرار، كما فعلت من قبل كوريا الشمالية، وهو لم يتم رصده بعد في إيران، إلا أنه ليس دليلاً قطعياً على عدم امتلاك السلاح، فقد تضطر الدول لإنتاج السلاح دون تجربته علنياً، لأسباب أمنية. ويبقى السؤال المهم هل اتخذت إيران القرار السياسي بأن تصبح قوة عسكرية نووية بعد الهجوم عليها؟

قد تخرج إيران، نتيجةً للحرب، أكثر تصميمًا من أي وقت مضى على امتلاك سلاح نووي لردع أي صراع مستقبلي، تمامًا كما ساهمت سنوات من العقوبات، وتزايد انعدام الثقة بواشنطن، والضغوط العسكرية الإسرائيلية المتكررة في تشكيل قرار طهران بزيادة تخصيب اليورانيوم بشكل مطرد. وحول تلك المعضلة تحديدا، يبدو أنه من المفيد النظر لتلك التطورات وفق منظور أوسع. فالسلاح النووي الإيراني، وعلى اعتبار أنه ملف يمس الدول الإقليمية الأخرى، ومعادلات الصراع في المنطقة، لابد أن يقارن بالسلاح النووي الإسرائيلي. فاسرائيل دولة تمتلك سلاحاً نوويا، يحظر طرحه أو حتى فتح ملفه، على الرغم من أنها دولة محتلة، ليس فقط للأراضي الفلسطينية، بل تحتل أيضاً أراضي لبنانية وسورية، بإقرار قانوني وسياسي دولي. كما تعد دولة معتدية على دول مجاورة قريبة منها، وإقليمية بعيدة عنها، كاعتدائها على الجوار السوري واللبناني، وشنها لهجمات على قطر وإيران، ومن قبلها العراق، مقترفة جرائم اغتيال، واعتداء على سيادة دول مستقلة، ومنتهكة للاعراف والقوانين الدولية. تعتبر إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتمتلك ما بين 80  و200 رأس نووي حسب تقديرات دولية، وتواصل الإنتاج والتطوير سنوياً دون رقابة أو متابعة، وتشكل الخطر الحقيقي على المنطقة، وربما على العالم. إن ذلك يعني أن الملف النووي العسكري برمته قضية تهم دول المنطقة جميعاً، ولا تتعلق بايران بشكل منفرد، فدول الخليج ومصر وتركيا لابد أن يكون لها دور في حسم الملف النووي العسكري في المنطقة، والذي يتعلق بإسرائيل النووية أولاً، قبل التوجه لإيران التي تقف على العتبة النووية، ولم تتخطاها بعد. إن ترتيب الوضع الإقليمي النووي عموماً الذي يمس جميع دول الإقليم يضع ملف إسرائيل النووي في رأس قائمة الأولويات.

ربما لم تؤخر الحرب الأخيرة البرنامج النووي الإيراني بقدر ما أعادت تشكيل البيئة السياسية المحيطة به. فلم يعد السؤال ما إذا كانت إيران قادرة على إنتاج سلاح نووي، بل ما إذا كانت قد أصبحت مقتنعة بأن امتلاكه ضرورة استراتيجية، خصوصا في ظل عدو نووي يعتدي على دول المنطقة دون رادع.

أحدث الأخبار