مدار نيوز \
أظهر استطلاع أجرته نقابة الأطباء الإسرائيلية أن 50 طبيبا غادروا المستشفيات في إسرائيل وهاجروا إلى الخارج خلال الأشهر الـ15 التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر 2023، فيما كشفت بيانات أخرى عن مغادرة 1369 طبيبا إسرائيل خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، وسط تحذيرات من تداعيات الهجرة على منظومة الصحة.
ووفقا للاستطلاع الذي عرض اليوم الاثنين خلال مؤتمر بشأن هجرة الأطباء من إسرائيل، غادر 14 طبيبا من بين الخمسين مستشفيي إيخيلوف وبيلينسون، كما أبلغت المستشفيات عن 53 طبيبا سافروا إلى الخارج لإجراء تخصصات طبية دقيقة ولم يعودوا في الموعد المحدد.
واستند الاستطلاع إلى تقارير إدارات المستشفيات فقط، ولم يشمل أطباء الرعاية الصحية المجتمعية.
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة تل أبيب، استنادا إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية بشأن جميع الأطباء الحاصلين على تراخيص مزاولة المهنة، أن 1369 طبيبا غادروا إسرائيل بين عامي 2023 و2025 لمدة عام على الأقل، علما أن بيانات عام 2025 تقديرية.
ويمثل هذا العدد ارتفاعا بنسبة 94% مقارنة بـ705 أطباء غادروا خلال الفترة بين عامي 2013 و2015. كما أظهرت الدراسة أن نحو 20% من الأطباء الذين غادروا كانوا في سن 45 عاما فأكثر، مقابل 14% خلال العقد السابق.
الطب النفسي من أكثر التخصصات تضررا
وبرز الطب النفسي بين التخصصات الأكثر تضررا جراء هجرة الأطباء، إذ قالت نائبة رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية ورئيسة جمعية الطب النفسي، الدكتورة مارينا كوبتشيك، إن أربعة طبيبات غادرن المستشفى الذي تعمل فيه خلال العام الماضي، ثلاث منهن متخصصات في الطب النفسي للأطفال، والرابعة في الطب النفسي للبالغين.
وأوضحت أن إحداهن انتقلت إلى نيوزيلندا، وأخرى إلى هولندا، فيما انتقلت طبيبتان إلى الولايات المتحدة.
وأضافت أن معظم الأطباء النفسيين الذين يغادرون هم من الشباب، ويبلغ متوسط عدد أطفالهم ثلاثة أطفال.
وقالت كوبتشيك إن نيوزيلندا وأستراليا وبريطانيا وجهات جاذبة للأطباء النفسيين، لأنهم لا يحتاجون إلى إعادة التخصص فيها، فيما تبدو الإجراءات أكثر تعقيدا في الولايات المتحدة وكندا.
وأضافت أن بعض الأطباء الذين انتقلوا إلى الخارج يواصلون العمل مع مرضى في إسرائيل عبر الإنترنت، من خلال اتفاقات مع صناديق التأمين الصحي، مشيرة إلى أن تقديم العلاج عن بعد يتيح لهم الاستمرار في العمل دون الحاجة إلى العودة إلى إسرائيل.
وقالت: “عندما تُبرم هذه الاتفاقات ويحصلون على دخل جيد، لا يكون لديهم سبب للعودة”.
الأوضاع الأمنية ومستقبل الأبناء والإرهاق
وأشارت كوبتشيك إلى أن الاعتبارات الاقتصادية تأتي في ذيل قائمة أسباب مغادرة الأطباء النفسيين، موضحة أن الأسباب الرئيسية تشمل الأوضاع الأمنية، والقلق بشأن مستقبل الأبناء، وضغط العمل والإرهاق، إلى جانب البحث عن فرص للتطور المهني.
وأضافت أن الأطباء النفسيين في إسرائيل لا يبحثون حاليا بالدرجة الأولى عن مناصب إدارية، بل عن التخصص في مجالات مثل اضطرابات الأكل واضطراب ما بعد الصدمة، بدلا من العمل في أقسام مغلقة تضم نحو 40 مريضا وتفرض أعباء عمل كبيرة.
ولفتت إلى أن ظروف العمل في دول أخرى أفضل، موضحة أن الرواتب في بريطانيا أقل، لكن ظروف العمل مختلفة، إذ يعمل الأطباء أربعة أيام أسبوعيا ويُعد ذلك دواما كاملا.
وقالت إن النقص في الكوادر الطبية بمجال الطب النفسي كان قائما حتى قبل السابع من أكتوبر، لكنه تفاقم بعد ذلك مع الارتفاع الكبير في أعداد الأشخاص الذين يطلبون المساعدة النفسية، بمن فيهم الأطباء أنفسهم، وهو ما اعتبرته أحد أسباب المغادرة.
وأضافت أن بعض الأطباء النفسيين لا يهاجرون إلى الخارج، لكنهم يغادرون القطاع الصحي العام إلى القطاع الخاص بسبب ضغط العمل والإرهاق وانخفاض الأجور.
الولايات المتحدة وأوروبا في مقدمة الوجهات
وقال رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، البروفيسور تسيون حاغاي، إن العالم يعاني نقصا يقدر بنحو مليونين إلى ستة ملايين طبيب، ما يؤدي إلى استمرار انتقال الأطباء من الدول الأقل تطورا إلى الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا.
وأضاف أن الطبيب الإسرائيلي مطلوب في مختلف أنحاء العالم.
وأوضح حاغاي أن الاستطلاع أُرسل إلى إدارات 36 مستشفى عاما ونفسيا وتأهيليا، استجابت 32 منها. وشملت أبرز وجهات الهجرة الولايات المتحدة وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وبريطانيا وألمانيا.
وإلى جانب الطب النفسي، شملت التخصصات المتضررة الطب الباطني والجراحة والأنف والأذن والحنجرة وأمراض الجهاز الهضمي والأورام.
ووفقا للاستطلاع، تمثلت الأسباب الرئيسية للمغادرة في الأوضاع الأمنية والسياسية داخل إسرائيل، والتقدم المهني، وتحسين الأجور وظروف العمل، فضلا عن أسباب شخصية.
وفي دراسة جامعة تل أبيب، سُجلت أعلى معدلات المغادرة بين الأطباء في تخصصات الأنف والأذن والحنجرة والجلدية والعيون، إذ غادر 9.4% من الأطباء دون سن الستين في هذه التخصصات إسرائيل.
أطباء يسافرون للتخصص ولا يعودون
وأبلغت 11 مؤسسة طبية عن أطباء مددوا فترة تخصصهم الدقيق في الخارج إلى ما بعد الموعد المقرر. وجاء نحو ثلثي الأطباء الـ53 الذين لم يعودوا في الموعد من مستشفيين كبيرين، هما إيخيلوف الذي غادره 20 طبيبا، وشيبا الذي غادره 15 طبيبا.
ويظهر مستشفى إيخيلوف في الفئتين، سواء بين الأطباء الذين هاجروا إلى الخارج أو الذين لم يعودوا بعد استكمال تخصصاتهم الدقيقة.
وقال رئيس منظمة أطباء الدولة، الدكتور زئيف فيلدمان، إن ما بين 70 و100 طبيب من أصل نحو ألفي طبيب مقيم يسافرون سنويا لإجراء تخصصات دقيقة في أفضل المراكز الطبية في العالم.
وأوضح أن هؤلاء يُفترض أن يعودوا إلى منظومة الصحة، وينخرطوا في الإدارة، ويسهموا في الحفاظ على مكانتها في مجالات البحث والابتكار والتكنولوجيا.
وأضاف أن عدم عودتهم يضر بمنظومة الصحة على المديين المتوسط والطويل، محذرا كذلك من ارتفاع نسبة الأطباء الذين تبلغ أعمارهم 45 عاما فأكثر بين المغادرين، بمن فيهم رؤساء أقسام ووحدات يفترض أن يتولوا تدريب الجيل المقبل من طلبة الطب والأطباء المقيمين.
هجرة أطباء الأورام واستقطاب الكفاءات
وقال البروفيسور عيدو وولف، ممثل الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للطب العلمي، إن الأطباء الذين يغادرون هم من أصحاب الكفاءات الأعلى في تخصصاتهم.
وأوضح أن ما بين ستة وعشرة أطباء في مجال الأورام هاجروا من إسرائيل ولم يعودوا حتى الآن، رغم حصولهم على وظائف وبطاقات إقامة دائمة في الولايات المتحدة، وتلقي بعضهم عروضا لتولي إدارة معاهد أو وحدات طبية داخل إسرائيل.
وأضاف أن هؤلاء يمثلون جزءا من أقوى الكفاءات الطبية التي تمتلكها إسرائيل، مشيرا إلى أن المحادثات الشخصية معهم تكشف عن مخاوف تتعلق بالأمن الشخصي وتعليم الأبناء والتساؤل بشأن المكان الذي سيعودون إليه.
من جهتها، قالت رئيسة قسم ترخيص المهن الطبية في وزارة الصحة الإسرائيلية، الدكتورة أورلي غرينفيلد، إن الوزارة تسجل ارتفاعا كبيرا في طلبات الحصول على شهادات حسن السيرة والسلوك المطلوبة قبل السفر لإجراء تخصصات دقيقة في الخارج.
وأوضحت أن بعض الأطباء الذين يتقدمون بهذه الطلبات لا يسافرون في نهاية المطاف، لكنها أكدت وجود ارتفاع في عدد الطلبات.
وأضافت أنه ينبغي تحديد الأطباء الذين يرغبون فعليا في العودة إلى إسرائيل والتركيز عليهم، مشددة على أهمية التدخل قبل سفرهم لإجراء التخصصات الدقيقة وخلال فترة وجودهم في الخارج، والحفاظ على التواصل المهني معهم.
منتدى لمواجهة هجرة الأطباء
وقال حاغاي إن نقابة الأطباء الإسرائيلية تعتزم إنشاء منتدى خاص بملف هجرة الأطباء من إسرائيل.
وأضاف: “نرى في ذلك خطرا استراتيجيا على دولة إسرائيل. وسيعمل المنتدى على دراسة أسباب الهجرة، وجمع المعلومات من جميع الجهات ذات الصلة، وصياغة حلول لمنع هجرة الأطباء وإعادة الأطباء المهاجرين إلى البلاد. آمل أن نعمل على هذه المهمة وننجح فيها”.









