نظام مائي متقدم بجوار الهرم الأحمر يعيد تعريف الهندسة المصرية القديمة

نظام مائي متقدم بجوار الهرم الأحمر يعيد تعريف الهندسة المصرية القديمة

2026 Aug,08

القاهرة/سما- كشفت دراسة بحثية بقيادة جامعة القاهرة ومعهد باليوتيك الفرنسي عن نظام هندسي مائي متطور بجوار الهرم الأحمر في دهشور، يرجع تاريخه إلى حوالي 4600 عام، وأثارت النتائج المنشورة في دورية Nature تساؤلات جديدة حول كيفية بناء المصريين القدماء للأهرامات.

يتكون الاكتشاف من هيكلين ضخمين يمتدان عبر وادي دهشور على شكل تحصينات ترابية وحجرية، يبلغ طول كل منهما نحو 600 إلى 700 متر وعرضه 15 إلى 30 مترًا وارتفاعه 6 إلى 7 أمتار، وكانا جزءًا من شبكة هيدروليكية متكاملة نسبها العلماء إلى عصر الفرعون سنفرو (حوالي 2613–2589 قبل الميلاد).

رصد الباحثون هذين الهيكلين عام 1843 في وادي دهشور على بعد 40 مترًا من الهرم الأحمر، لكنهم ظنوا طويلًا أنهما مجرد منحدرات أو طرق لنقل الحجارة من المحاجر. غير أن الفريق استخدم صورًا للأقمار الصناعية وخرائط تاريخية ونماذج تضاريس لاكتشاف أن هذه التشكيلات كانت نظامًا مائيًا معقدًا يتضمن سدين وخزانًا بسعة حوالي 61 مليون غالون وقناة تحويل، إضافة إلى ما قد يكون أقدم مصفاة مثلثية متطورة معروفة في مصر القديمة.

صُمم النظام ليستفيد من مياه الأمطار الموسمية والسيول المفاجئة التي كانت تضرب المنطقة إبان العصر القديم، عندما كان المناخ أكثر رطوبة من اليوم. يعتقد الباحثون أن المياه المتحكم بها ساعدت في نقل الحمولات الثقيلة بالقرب من الهرم، وزودت العمال بالمياه، وحضرت الملاط، وحمت موقع البناء من الفيضانات المدمرة.

تتميز المصفاة المثلثية بتصميم على شكل "منقار البط" في وسط السد الغربي، حيث صُنعت لتصريف كميات كبيرة من المياه بأمان وتجنب انهيار السد. أظهرت الحسابات الهندسية أن هذه المصفاة كانت قادرة على تصريف أكثر من ضعف كمية المياه التي تستطيع مصفاة مستقيمة تصريفها، مما يعكس براعة هندسية استثنائية لدى المصريين القدماء.

يرجح العلماء أن هذه التقنيات المتقدمة قد تكون نتاج تجارب سابقة، حيث يقع سد الكفارة الشهير - وهو من أقدم السدود في العالم - على بعد أقل من 12 ميلًا من دهشور، وقد دمره فيضان قديم بسبب عدم وجود مصفاة كافية. قد يكون مهندسو الهرم الأحمر تعلموا من ذلك الفشل وطبقوا تحسينات في تصميمهم تجنبت تكرار الكارثة.

غير أن الدراسة تؤكد أن هذه الاستنتاجات ما تزال نظرية غير مثبتة، لأن الهياكل لم تخضع لأي حفريات أثرية حتى الآن، إذ يقع معظم الموقع في منطقة عسكرية مقيدة. كما يشكك بعض العلماء في الفرضية لأن القناة المكتشفة تقع على ارتفاع 130 قدمًا فوق وادي النيل، مما يعني أن القوارب لم تكن قادرة على الإبحار مباشرة من النهر إلى الهرم.

يبقى السؤال مفتوحًا حول توقيت بناء هذه الهياكل - هل شُيدت قبل الهرم الأحمر أم خلال إنشاؤه أم بعده بقرون - والإجابة تتطلب حفريات دقيقة لكشف النوى الهندسية للسدود أو مواد بناء قابلة للتأريخ. إلا أن هذا الاكتشاف يفتح بابًا جديدًا لفهم الهندسة المائية في مصر القديمة، ويقدم دليلًا مثيرًا على أن بناء الأهرامات لم يكن مجرد جهد بدني هائل بل كان مدعومًا بمعرفة هندسية متطورة.

أحدث الأخبار