في يومٍ يُفترض أن يكون عيداً ديمقراطياً، تتجه فيه الأنظار إلى صناديق الاقتراع باعتبارها الأداة الأسمى لتجديد الشرعيات، تكشف الانتخابات البلدية الجارية اليوم في فلسطين مفارقة حادة: ما يقارب من نصف البلديات والمجالس القروية حُسمت انتخاباتها بالتزكية قبل أن تُفتح الصناديق أصلاً. كأن العملية الديمقراطية بدأت وانتهت في آنٍ واحد، وكأن الصوت الشعبي جرى اختصاره إلى صمتٍ جماعي مريب.
التزكية هنا ليست مجرد إجراء قانوني، بل ظاهرة سياسية واجتماعية مركبة، تعكس ما هو أعمق من مجرد توافق محلي. إنها تعبير عن تراجع الفعل السياسي المنظم، وعن غياب التنافس الحقيقي الذي يمنح الديمقراطية معناها. فحين تُغلق أبواب الترشيح على قائمة واحدة، لا يعود السؤال: من سيفوز؟ بل لماذا لم يترشح أحد أصلاً؟
الأسباب متعددة، لكنها ليست بريئة. أولها حالة الإحباط العام من العمل العام، حيث باتت المجالس المحلية تُرى كعبء أكثر من كونها فرصة للتأثير. في ظل شح الموارد، وتقييد الصلاحيات، وتعقيدات العلاقة مع المركز، يتردد كثيرون في خوض تجربة يرونها خاسرة مسبقاً. وثانيها الخوف من الكلفة الاجتماعية والسياسية للمنافسة، خاصة في القرى التي تحكمها توازنات عائلية دقيقة، حيث قد يتحول الترشح إلى صراع مفتوح يهدد السلم الأهلي. أما السبب الثالث، فهو الأكثر خطورة: هيمنة قوى محلية – سياسية أو عائلية – تعمل على إنتاج «إجماع قسري» يُقصي المنافسين قبل أن يظهروا، فتغدو التزكية نتيجة هندسة مسبقة لا تعبيراً حراً.
لكن الامتناع عن تقديم قوائم منافسة لا يُعفي أحداً من المسؤولية. فالقوى التي اختارت الانسحاب أو الصمت، بحجة الواقعية أو تجنب الخسارة، ساهمت عملياً في تكريس هذا الواقع. الديمقراطية لا تُبنى بالانسحاب، بل بالمواجهة، حتى لو كانت غير متكافئة. بل إن خوض معركة انتخابية، حتى مع احتمالات خسارة عالية، هو بحد ذاته فعل سياسي يُراكم الوعي ويكسر الاحتكار.
والمفارقة أن من فازوا بالتزكية لا يواجهون اختباراً أخف، بل أثقل. فغياب المنافسة لا يعني غياب المحاسبة، بل يرفع سقفها إلى حدٍ غير مسبوق. المواطن الذي لم يُمنح فرصة الاختيار، لن يمنح بسهولة صك الرضا. وهنا تتحول التزكية من اختصار للطريق إلى بداية طريق أكثر وعورة: طريق إثبات الجدارة دون غطاء انتخابي.
أول ما يُطلب من القوائم التي فازت بالتزكية هو كسر وهم الإجماع. فعدم وجود منافسين لا يعني أن الجميع مؤيد. الصمت ليس دائماً علامة رضا، بل قد يكون خوفاً أو لامبالاة أو رفضاً مؤجلاً. لذلك، على هذه القوائم أن تنزل من وهم «القبول العام» إلى واقع «الاختبار اليومي»، وأن تتعامل مع المجتمع كشريك ناقد لا كجمهور مُصفق.
ثانياً، الشفافية لم تعد خياراً، بل هي شرط للشرعية. المجلس الذي لم يخضع لامتحان الصندوق، عليه أن يخضع يومياً لامتحان الناس. نشر الموازنات، توضيح أوجه الصرف، الإعلان عن المشاريع، وتقديم تقارير دورية، ليست ترفاً إدارياً، بل أدوات لبناء ثقة مفقودة. في غياب التصويت، تصبح الشفافية هي صندوق الاقتراع البديل.
ثالثاً، إشراك المواطنين في صنع القرار لم يعد ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة سياسية. على المجالس أن تُبادر إلى تشكيل لجان استشارية تمثل مختلف الفئات: الشباب، النساء، المهنيين، وممثلي الأحياء. فالحكم المحلي لا يُدار بعقل واحد، بل بعقول متعددة. ومن دون هذا الانفتاح، تتحول التزكية إلى عزلة، لا إلى توافق.
رابعاً، الكفاءة قبل الولاء. التزكية كثيراً ما تُبنى على توازنات عائلية أو سياسية، لكن إدارة الشأن العام لا تُدار بالمجاملات. على القوائم الفائزة أن تُعيد تشكيل فرقها التنفيذية على أساس الخبرة والقدرة، لا الانتماء. فالمواطن لا يُحاسب على النوايا، بل على النتائج: خدمات أفضل، بنية تحتية متماسكة، وحلول ملموسة لمشاكله اليومية.
خامساً، الجرأة في القرار. المجالس التي تأتي بالتزكية تميل أحياناً إلى الحذر المفرط خشية إغضاب التوازنات التي أوصلتها، لكن هذا الحذر قد يتحول إلى شلل. المطلوب هو شجاعة مسؤولة: اتخاذ قرارات صعبة حين تكون ضرورية، حتى لو كانت غير شعبية، ما دامت تخدم الصالح العام.
سادساً، بناء آليات للمساءلة الذاتية. في غياب معارضة حقيقية داخل المجلس، يجب خلقها من داخله. لجان رقابة، تقييمات دورية، انفتاح على الإعلام والمجتمع المدني، كلها أدوات تمنع الانزلاق نحو التراخي أو الفساد. المجلس القوي ليس الذي لا يُنتقد، بل الذي يعرف كيف يُصحح نفسه.
أما المواطن، فلم يعد مجرد ناخب يُستدعى كل أربع سنوات، بل شريك دائم في الرقابة. التزكية لا تعني نهاية دوره، بل بداية مسؤولية جديدة. عليه أن يُراقب، يُسائل، يقترح، ويضغط. فالمجالس التي جاءت بلا منافسة، تحتاج إلى مجتمع لا يصمت.
في النهاية، ما نشهده اليوم ليس مجرد انتخابات ناقصة، بل اختبار مزدوج: للمجالس التي وصلت دون منافسة، وللمجتمع الذي لم يُنافس. إما أن تتحول التزكية إلى لحظة وعي تعيد تعريف المسؤولية والمحاسبة، أو أن تبقى دليلاً إضافياً على تآكل الحياة السياسية.
الصناديق التي بلا أصوات، قد تُنتج سلطة… لكنها لا تُنتج شرعية. والشرعية، في كل الأحوال، لا تُمنح… بل تُبنى.
