موسى أبو مرزوق كما عايشته… سيرةُ رفيقِ دربٍ في ميادين النضال والعطاء ..بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

موسى أبو مرزوق كما عايشته… سيرةُ رفيقِ دربٍ في ميادين النضال والعطاء ..بقلم: المستشار د. أحمد يوسف

في مسيرة العمل الوطني، لا تكون بعض العلاقات مجرد محطات عابرة، بل تمتد جذورها في الذاكرة والتجربة، حتى تغدو جزءًا من تكوينك الإنساني والفكري. ومن بين تلك العلاقات التي أعتز بها، تأتي علاقتي بالدكتور موسى أبو مرزوق، رفيق دربٍ امتد لأكثر من نصف قرن، تقاسمنا فيه الحلم والهم وتفاصيل دربٍ طويل.
تبدأ الحكاية من حارات المخيم في مدينة رفح في ستينيات القرن الماضي، حيث تشكّلت البدايات الأولى للوعي والانتماء الوطني، قبل أن تمتد بنا الرحلة إلى محاضن الحركة الإسلامية بعد هزيمة عام 1967، ثم إلى سنوات الدراسة في العاصمة المصرية القاهرة مطلع السبعينيات، حيث تعمّقت الروابط، وتبلورت الأفكار، وتجذّرت العلاقات التنظيمية في إطار الحركة الإسلامية.
ومن هناك، انتقلنا إلى العمل في دولة الإمارات في عهد الشيخ زايد (رحمه الله)، حيث كانت تجربة جديدة في البناء والتأسيس، قبل أن تجمعنا مرة أخرى محطات الدراسة والعمل الإسلامي في الولايات المتحدة، التي كانت بدورها فضاءً واسعًا للتفاعل مع قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وبعد دراستنا في جامعة كولورادو (CSU) في المجال الهندسي، وتخرجنا منها في منتصف الثمانينيات، كانت واشنطن مسرحًا لعملنا المشترك—في مطلع التسعينيات—من أجل قضيتنا الوطنية، حيث انخرطنا معًا في قيادة العمل الإسلامي الفلسطيني، الذي كان يستند إلى فكرٍ ونهجٍ مستلهم من مدرسة الإخوان المسلمين، بما تحمله من رؤى إصلاحية ومقاصدية.
وفي تلك المرحلة، تعزّزت علاقتنا أكثر، ليس فقط على مستوى العمل التنظيمي، بل أيضًا على مستوى القناعات والمواقف، التي لم تكن يومًا متباعدة، بل كانت تتقاطع في جوهرها.
وعندما عدتُ إلى غزة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، لم تنقطع تلك العلاقة، بل استمرت في التوثّق والتعزّز، رغم تغيّر الظروف وتبدّل السياقات. كان د. أبو مرزوق، كما عهدته دائمًا، سندًا حقيقيًا ومرجعًا يمكن الاتكاء عليه عند المحن وفي لحظات التعقيد والألم؛ رجلًا يُحسن الاستماع، ويُجيد التقدير، ويمنح من حوله شعورًا بالثقة والاطمئنان.
ولا أنسى، في هذا السياق، أحد المواقف المفصلية التي كشفت عن معدن الرجل في أوقات الشدّة، وذلك إبّان إبعاد قيادات حركة حماس إلى مرج الزهور في جنوب لبنان مطلع التسعينيات. يومها، أيقظنا الدكتور موسى في الثالثة فجرًا لاجتماعٍ طارئ في بيته المجاور للمركز الإسلامي في واشنطن، والمعروف بـ"دار الهجرة".
لم يكن الاجتماع يحتمل التأجيل، حيث جلسنا نبحث في كيفية التحرك العاجل لتوفير الدعم المالي واللوجستي لأولئك المبعدين وعائلاتهم. لم يكتفِ بالتشخيص أو إبداء القلق، بل بادر فورًا إلى إرسال وفود إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك إلى مرج الزهور، تحمل المساعدات، وتقدّم التطمينات للمبعدين بأن أمورهم ستكون موضع رعاية واهتمام.
وقد تابع بنفسه، وبحرصٍ لافت، ترتيب آليات التواصل مع عائلاتهم، والوقوف على احتياجاتهم المالية والإنسانية، حتى تحوّلت تلك الأزمة، خلال وقتٍ قياسي، إلى نموذجٍ في التكافل والتنظيم. لقد نجحنا بالفعل في تأمين احتياجاتهم في مرج الزهور بسرعةٍ فاقت التوقعات، وهو إنجاز لم يكن ليتحقق لولا تلك الروح القيادية المباشرة، والإحساس العالي بالمسؤولية الذي تحلّى به، وكان ذلك سلوكه في النهج والأثر.
وإذا كان ذلك المشهد يعود إلى بداية التسعينيات، فإن شواهد الحاضر، في ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، تقول الكثير عن ثبات هذا النهج. فلم تتوقف يد العطاء التي عُرف بها، بل ظل يجود بالخير، ويشاركنا السهر الطويل مع الألم؛ نستمع معًا إلى أنين النازحين، ونتحسس أوجاعهم، ونسعى—كلٌّ من موقعه—إلى التخفيف من معاناتهم.
كان يدرك، كما عهدته دائمًا، أن استقرار الناس ليس ترفًا، بل ضرورة، وأن العمل الإنساني لا يقل أهمية عن أي جهدٍ سياسي أو تفاوضي. وقد نجحنا، بفضل الله، ثم بتكاتف الجهود، في الحفاظ على عملنا في إغاثة النازحين، نقدّم لهم الطعام والمأوى والخيام، بهمةٍ عالية، وشعورٍ عميق بالواجب الوطني والأخلاقي والديني.
وفي تلك اللحظات القاسية، كان العطاء هو اللغة الأصدق، وكان أخونا أبو مرزوق أحد أبرز من تحدّث بها فعلًا لا قولًا.
وإذا كان كثيرون يعرفون الدكتور موسى أبو مرزوق كمفاوضٍ بارع، فإن تجربة الرجل تؤكد أن التفاوض عنده لم يكن يومًا فعلًا تقنيًا باردًا أو أسيرًا لأوراق الطاولة، بل كان امتدادًا لثباته على الموقف، وحضوره الإنساني العميق. كان يحمل قضيته ووجع شعبه معه إلى طاولة الحوار، مدركًا أن كل قرارٍ يتخذه إنما ينعكس، في نهاية المطاف، على حياة الناس وكرامتهم.
لقد عايشتُ الدكتور موسى أبو مرزوق في محطاتٍ متعددة، من المخيم إلى عواصم عربية وإسلامية وعالمية، ومن العمل الدعوي إلى العمل السياسي، فوجدت فيه ثباتًا لا يتزعزع، ووفاءً لا يتبدل، وإنسانيةً تتقدّم على كل اعتبار.
كان د. أبو مرزوق رجلًا لا يحتاج إلى كثير تعريف؛ فآثاره شاهدة، وسيرته حاضرة في وجدان من عرفوه وعملوا معه في الوطن والشتات.
وفي زمنٍ تكثر فيه الضوضاء وتقلّ فيه النماذج، يبقى الحديث عن رفاق الدرب من هذا الطراز ليس مجرد استعادةٍ للذكريات، بل هو وفاءٌ لتجربةٍ تستحق أن تُروى، وشهادةٌ لرجلٍ استثنائي، كان—وما زال—على قدر المسؤولية، في زمنٍ عزّ فيه الثبات وقلّت فيه وقفات الرجال.

أحدث الأخبار