يبدو جليًّا أن النائب منصور عبّاس إنّما يبذل طاقة هائلة ويتكبّد كلّ يوم إحراجًا جديدًا أمام ناخبيه وأمام الإعلام العربي والعبريّ وأمام مجتمعنا هنا، لسبب بسيط، هو أنه يُحاول أن يتموضع في موقع مستحيل بين القاتل والقتيل أو بين العنصريين وبين ضحاياهم.
عبثًا نقول له ألا موقع ثالثًا بين الجرافة التي تقتلع بيتًا في قرية مسلوبة الاعتراف في النقب وبين أهل البيت! إنها النتيجة الحتميّة لنهجه القائم من رأسه إلى أساسه على الفرار من هويّته بوصفها قدرًا ومصيرًا. وأعتقد أن المسألة شخصيّة قبل أن تكون سياسيّة. بمعنى أنه يُعاني أزمة في المستوى الشخصي مع هويّته العربية كابن للشعب الفلسطينيّ في شرط سياسيّ قاهر وضاغط. فكلّ ما فعله ضمن "نهجه" هذا هو التميّز عن بقيّة الأطر السياسيّة. فهو ـ في ممارساته ـ مستعدّ أن يتفق مع أي جهة، بما فيها اليمين الفاشيّ ـ لقاؤه مع دروكمان واستعداده لدخول حكومة مع نتنياهو وبن جفير ـ لكنه يهرب من انتمائه لمجتمعه ومن إمكانية الشراكة مع قواه السياسيّة كمَن يهرب من العدالة فيهيم على وجهه.
يُمكن تلخيص كلّ تجربة منصور عباس السياسيّة في جملة واحدة وحيدة هي: التموضع في كلّ مكان ليس فيه "فلسطين". فهو يفرّ من فلسطينيّته كمن يفرّ من لدغة أفعى! لكنّه، في نهاية المطاف، يبدو كالفارّ من العدالة. يختبئ في ظلّ شجرة أو يُراهن على صحبة الغريب، لكنّه في نهاية كلّ يوم سيجد نفسه أمام السؤال: إلى متى؟ ومن هنا اقتراحنا عليه أن يكفّ عن الهرب وعن الاختباء، لأن الله على الأقلّ يرى كلّ شيء، وكذلك الناس. فلا هو قادر على الاختباء ولا الآخرون مستعدون للتستّر عليه.
أو بكلام آخر: مصير الهارب من هويّته إلى هويّة قاهريه معروف مسبقًا، لأن القاهرين ـ وإن احتضنوه ردحًا لغاية في نفوسهم ـ سيكشفونه. وهي النتيجة الحتميّة لكل ممارسة كهذه.
المتتبع لخُطى عبّاس سيكتشف أنه يبذل جهدًا في تبرير فراره من هويته وانتمائه. فيدّعي، مثلًا، أنه "القائمة المكمّلة"، وهي ترجمة لـ"بيضة القبان". شعار يرفعه علمًا أنه يقوم على فرضيّة كسولة أو خاطئة. فلا أحد حتى الآن يضمن سقوط الائتلاف الفاشيّ الحاكم في انتخابات وشيكة، ولو لأنّه لدى الحكومة كل الإمكانيات لتزوير الانتخابات وإرادة الناخبين.
يكفي منع مئات ألوف الإسرائيليّين من العودة إلى البلاد للاقتراع كي تسقط الفرضيّة. أو يكفي أن يذهب آيزنكوت مع الليكود بعد الانتخابات كضرورة لتوحيد الشعب الإسرائيليّ اليهودي استعدادًا لمزيد من الحرب والإبادة، كي تصبح بيضة القبّان في خبر كان! إنه من السذاجة بمكان بناء السياسة والتحدث عن مصير مجتمع ومصالحه ودرء المضار على فرضيّة ساذجة كهذه. لكن ما العمل ومنصور عبّاس يُريد أن "يتميّز"، كأن السياسة في حالة الفاشية والإبادة هي لعبة مؤثّرين على شبكات التواصل.
أمّا ما حصل في مؤتمر الموحّدة يوم السبت الأخير فهو تجسيد حيّ لما ذهبنا إليه. ففي رحاب اللغة العربية وفي بيئته السياسيّة ـ مجتمعنا ولغته وتوقّعاته ـ اضطرّ منصور عباس إلى ذكر فلسطين باعتبارها وجدان الناس وضمائرها، خاصّة في ظلّ إبادة واقتلاع. لكنّه عندما انتقل إلى اللغة العبرية، وهي لغة القاهرين أصحاب الجرافات التي تقتلع وتدمّر، أسقط فلسطين من بين يديه ومن اللغة العبريّة التي لا تحتمل لفظة مشحونة بهذا القدر. فوقع في يوم واحد بين شعبه وبين قاهريه مضرّجًا بدمه.
هذا هو منصور في الممارسة، هارب من هويّة ولاجئ إلى هوية قاهريه! وقد رأيناه بأيّ سهولة يُمكنه أن يتنكّر لهويّته الإسلاميّة من خلال فصل القائمة الانتخابيّة عن الحركة الإسلامية، الجناح الجنوبيّ، كي يجد لنفسه كرسيًّا في استوديوهات قناة 12 أو 13 أو 14!
لا شيء يخرج من الهروب سوى المزيد من الهروب. ولا كرامة تأتي للهارب من هويّته وجماعته ليصطفّ في حضن قاهريه، ولا ميزانيات ولا شيء. إنّه الوهم المصفّى في ظلّ حالة من الفاشيّة التي لا توفّر أحدًا. ومن هنا دعوتنا إلى الجمهور الاحتماليّ للقائمة الموحّدة أن يتأمّل الحالة.
صحيح أن الخصومة السياسيّة قد تعمي عيون منصور عباس كشخص لديه مشكلة مع هويّته، لكن يُمكن لحكمة الجماهير أن تقول "لا" لمغامرة تُضعف مجتمعنا وتمثيله في سبيل الفرار من الذات إلى حضن الذين يقهرونها ويقتلعونها. ويحقّ لي أن أراهن في هذا على الشعور بالكرامة الشخصيّة والإنسانية والجمعية لدى الناس، بمن فيهم أولئك الذين يُحسبون على "الموحّدة".
الهروب و"التميّز" على طريقة عبّاس هو آخر ما يحتاجه شعبنا. عادة، يشعر واحدنا بالخجل عندما يتخاذل العرب في نُصرة غزّة أو الضفّة، عندما يخرجون من هويّاتهم إلى التواطؤ مع الاحتلال أو مع العدوان، وسنخجل لو أن بعضنا ذهب وراء منصور عباس وتواطأ مع القاهرين!