والأكثر أهمية أن هذا التحذير صدر من مسؤول موجود في قلب الجهود الدولية المتعلقة بالمرحلة المقبلة في غزة، وفي منتدى جمع كبار المسؤولين والدبلوماسيين والخبراء لمناقشة التحولات الكبرى في المنطقة. وقد انعقد منتدى هيلي 2026 تحت شعار «الخليج عند مفترق طرق: الصراع، والتداعيات، وتصحيح المسار»، في لحظة أصبحت فيها قضايا غزة والأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي مترابطة بصورة غير مسبوقة.
الرسالة الأهم في حديث ملادينوف يمكن اختصارها في جملة واحدة:إذا بقيت غزة على ما هي عليه، واستمر الجمود في تنفيذ الخطة المطروحة، فإن حل الدولتين قد يصبح مستحيلاً عملياً.وهذا ليس تحذيراً عابراً.فحل الدولتين لا يموت فقط عندما تفشل المفاوضات السياسية، وإنما يموت أيضاً عندما تصبح الحقائق الميدانية أكثر قوة من أي اتفاق سياسي يمكن التوصل إليه مستقبلاً.
وما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية، من استمرار الأزمة الأمنية والإنسانية وتصاعد التوتر، يخلق واقعاً جديداً يصعب معه إعادة بناء المسار السياسي الفلسطيني الإسرائيلي.
ولهذا فإن كلمة ملادينوف يجب أن تُقرأ باعتبارها ساعة إنذار سياسية للمجتمع الدولي ولجميع الأطراف المعنية بالصراع.
غزة ليست مجرد إعمار
من أخطر الأخطاء السياسية التعامل مع غزة باعتبارها مشروعاً هندسياً لإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية.
غزة تحتاج إلى إعادة إعمار، بالتأكيد.لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إعادة بناء البيئة السياسية والأمنية التي تحمي الإعمار من الانهيار مرة أخرى.
ملادينوف قال إن سكان غزة يعيشون ظروفاً شديدة الصعوبة، وإن القطاع ما زال بعيداً عن البدء الفعلي في إعادة الإعمار، في وقت تعيق فيه القيود المفروضة على دخول مواد البناء والمساعدات الإنسانية عملية التعافي.
وهنا تبرز المعادلة الأصعب:من سيدفع مليارات الدولارات لإعادة بناء غزة إذا لم تكن هناك ضمانات بأن هذه المليارات لن تتحول بعد سنوات قليلة إلى ركام جديد؟
هذا السؤال هو جوهر الأزمة.
فالمشكلة ليست في توفر الأموال فقط، وإنما في توفير السلام والأمن والاستقرار السياسي الذي يجعل الاستثمار في إعادة الإعمار قابلاً للاستمرار.
كلمة ملادينوف كشفت أيضاً أن المرحلة المقبلة لا تزال تصطدم بعقبتين أساسيتين: مستقبل السلاح في غزة، ومسألة الانسحاب الإسرائيلي.
فالخطة المطروحة ترتبط، بصورة أو بأخرى، بنزع سلاح حماس وبإعادة ترتيب الوضع الأمني في القطاع، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي وترتيبات دولية جديدة.لكن هذه العملية لا تزال متعثرة.
ووفق ما نقلته التقارير عن ملادينوف، فإن إسرائيل وحماس لا تزالان بعيدتين عن صيغة نهائية تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية، بينما أصبحت الانتخابات الإسرائيلية عاملاً إضافياً يزيد التعقيد السياسي.وهنا تحديداً تكمن صعوبة «اليوم التالي».فلا يمكن أن تستمر غزة إلى ما لا نهاية بين سلطة عسكرية إسرائيلية وسلطة أمر واقع لحماس، ولا يمكن في الوقت نفسه إنشاء نظام فلسطيني مستقر من دون ترتيبات أمنية واضحة وقبول إقليمي ودولي.
ملادينوف يضع إسرائيل أمام مسؤولياتها
اللافت في تصريحات ملادينوف أنه لم يضع المسؤولية عن الجمود على طرف فلسطيني واحد.بل أشار بوضوح إلى ضرورة تنفيذ إسرائيل التزاماتها بموجب خارطة الطريق حتى يمكن تحريك العملية إلى الأمام.
وهذا تطور مهم سياسياً.فالرسالة هنا أن المجتمع الدولي لا يستطيع مطالبة الفلسطينيين وحدهم بتقديم التنازلات المطلوبة، بينما يبقى الجانب الإسرائيلي خارج دائرة الالتزامات السياسية والأمنية.
أي خطة سلام حقيقية تحتاج إلى التزامات متبادلة.ولا يمكن أن تكون غزة مطالبة بنزع السلاح وإعادة تشكيل مؤسساتها الأمنية والسياسية، في حين تبقى مسألة الانسحاب الإسرائيلي وإعادة فتح المجال أمام الإعمار والتسوية السياسية معلقة إلى أجل غير مسمى.
ربما كان أكثر أجزاء تصريحات ملادينوف دلالة قوله إن نحو نصف قطاع غزة يخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، فيما يقع الجزء الآخر تحت سيطرة حماس، معتبراً أنه في ظل هذه المعطيات لا يوجد حالياً مسار سياسي موثوق لحل الصراع.
فإذا بقيت غزة مقسمة أمنياً، فلن تكون هناك سلطة فلسطينية قادرة على ممارسة سيادتها بصورة كاملة.وإذا بقي السلاح خارج إطار سلطة فلسطينية موحدة، فإن أي مشروع لإعادة بناء المؤسسات سيكون هشاً.
وإذا استمرت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، فإن الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة سيصبح أكثر صعوبة.
ولهذا فإن معركة غزة الحقيقية في المرحلة المقبلة ليست فقط معركة إعادة إعمار، وإنما معركة إعادة تعريف من يحكم غزة وكيف تُدار ومن يملك القرار الأمني فيها.
الضفة الغربية.. النصف الآخر من المعادلة
وهنا تأتي إحدى أهم رسائل ملادينوف: لا يمكن فصل غزة عن الضفة الغربية.فإذا نجح المجتمع الدولي في تهدئة غزة، لكنه ترك الضفة الغربية تتجه نحو مزيد من التصعيد والعنف والتوسع الاستيطاني والانقسام السياسي، فلن يكون بالإمكان الحديث عن حل الدولتين.
وهذا يعني أن أي استراتيجية دولية ناجحة يجب أن تتعامل مع الأراضي الفلسطينية باعتبارها وحدة سياسية وجغرافية واحدة.
غزة وحدها ليست الدولة الفلسطينية.والضفة الغربية وحدها ليست الدولة الفلسطينية.والقدس الشرقية جزء أساسي من أي تسوية سياسية قابلة للحياة.
لذلك فإن إعادة إعمار غزة يجب أن تكون جزءاً من مشروع أكبر لإعادة بناء المسار السياسي الفلسطيني برمته.
ومن أبوظبي، جاءت رسالة ملادينوف واضحة وقوية:
الوقت ينفد.إما أن تتحول غزة الآن إلى بوابة لإحياء المسار السياسي الفلسطيني وحل الدولتين، وإما أن يصبح هذا الحل مع مرور الوقت مجرد فكرة تاريخية يصعب تحويلها إلى واقع.
وفي تقديري، فإن كلمة ملادينوف أمام منتدى هيلي يجب أن تكون بمثابة دعوة عاجلة للعالم العربي والمجتمع الدولي للتحرك قبل أن تغلق نافذة الفرصة نهائياً.
فغزة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يعيد بناء منازلها.غزة تحتاج إلى من يعيد بناء مستقبلها السياسي.
وهذا المستقبل لن يكون مستقراً من دون دولة فلسطينية، ولن تكون هناك دولة فلسطينية قابلة للحياة من دون غزة، ولن يكون هناك سلام إقليمي دائم من دون حل عادل للقضية الفلسطينية.إنقاذ غزة اليوم قد يكون الفرصة الأخيرة لإنقاذ حل الدولتين غداً !
