مـلاحـظـات فـتـحـاويـة....عاطف أبو سيف

مـلاحـظـات فـتـحـاويـة....عاطف أبو سيف

2026 May,03

استكمالاً للنقاش الذي لا يتوقف حول المؤتمر الثامن لحركة فتح، وبعيداً وربما مجاراة للجانب المتعلق بالعضوية وبالترشح وبالبرامج، فإن فتح التي قادت وتقود الشعب الفلسطيني منذ أكثر من ستة عقود وفي كل مرة تعقد فيها مؤتمراً من مؤتمراتها تعيد صياغة السياسة الفلسطينية وتضع الأسس الواجبة للمرحلة القادمة، وعليه فإن النقاش حول مؤتمر فتح لا يعود مؤتمراً فتحاوياً خالصاً بل مؤتمراً وطنياً عاماً. 

وتأسيساً على السابق، فإن جل مؤتمرات فتح التنظيمية على مستوى الأطر والهياكل الأخرى أيضاً تكون مؤتمرات وطنية في سياقاتها وحيزها الجغرافي. 
وإذا كان الأمر كذلك فإن كل النقاش حول عضوية المؤتمر والاستحقاقات وحول البرامج والمخرجات وكذلك حول الترشح والانتخاب تكون صحية ومقنعة رغم جدليتها وتناقضها. 
وهو أمر ينسحب أيضاً على مؤتمرات فتح على مستوى الأقاليم والمناطق. 
كل شيء تقوم به فتح يكون حقاً بحجم وطن وبحجم قضية آمن الرعيل المؤسس من حملة لواء العاصفة بأنها أنبل قضية في الكون لأن حجم الظلم الذي وقع على شعبنا غير مسبوق في التاريخ.
نعم من حق كل فتحاوي أن يكون عضواً في المؤتمر العام للحركة، فكل فتحاوي يرى في نفسه أنه أكثر أعضاء الحركة فتحاوية. 
هذا التعصب الفتحاوي الذي يجعل شاباً وكهلاً يتجادلان بنفس الحرارة حول مستقبل الحركة، ويمكن لك أن تظن أن كليهما شارك في عملية عيلبون وأنهما كانا يلازمان صلاح خلف وخليل الوزير وسليم الزعنون على مقهى الكمال في غزة وهم يخطون اسم فتح وأهدافها، أو أنهما شاركا في العصف الوطني مع ياسر عرفات ومحمود عباس وعبد الله الدنان حول توقيت العمل العسكري الأول للحركة. 
ويمكن لك أن تقتنع أنهما فعلاً كانا يقاتلان في معركة الكرامة أيضاً. لا بأس. 
ففتح جوهرة الوعي الوطني وكل فتحاوي يعتقد جازماً أنه الحارس الأمين لها وأن الشهداء جميعاً من أحمد موسى، أول شهداء الحركة، إلى آخر مقاتل فتحاوي أوصوه بها وأخبروه أنها أمانة في عنقه هو حصرياً. 
كذلك الأمر بالنسبة للقضية الوطنية التي ترى فتح أنها الأكثر حرصاً عليها وترفض أي وصاية على النضال أو على الفعل الوطني الفلسطيني إلا وصاية الحق الضائع وليست وصاية الأنظمة أو الأيديولوجيا. 
ومع ذلك يصعب أن يكون كل فتحاوي عضواً في المؤتمر إذ إن عضوية المؤتمر «تمثيلية» وليست استحقاقاً فردياً. 
ورغم بعض الامتعاض والذي جزء منه يكون محقاً من إدخال بعض الأفراد أو المكونات والفئات؛ إلا أن أساس المؤتمر أن يمثل كل أطر وهياكل ومفوضيات الحركة وممثليها في مؤسسات النظام السياسي. 
النقاش الفتحاوي الفردي والجماعي حول العضوية والاستحقاق والتمثيل و «بطلعله وبطلعلوش» أيضاً جزءٌ من الهوية الفتحاوية التي جعلت فتح فعلاً تنظيم الجماهير.
أيضاً الارتفاع الكبير في عدد من ينوون الترشح لعضوية المجلس الثوري أو اللجنة المركزية يثير نقاشاً كبيراً لكنه ليس جديداً على فتح. 
نقاش ينتسب لجوهر فتح التي لا تضع شروطاً على أفرادها ولا يتسم فيها «التنخيب» و»التصعيد» التنظيمي بأي محددات وقيود أيديولوجية أو فكرية أو «فوقية». 
فكل فتحاوي يمكن له أن يحلم أو يطمح بأن يصبح عضواً في لجنتها المركزية أو مجلسها الثوري، وكل عضو مؤتمر يمكن له أن يصبح فعلاً عضواً في خلية فتح الأولى، خلية الآباء المؤسسين. 
هذا حق كفلته فتح لكل أعضائها، فهي ليست نادياً حصرياً ولا محفلاً مغلقاً.
لذلك فإننا نجد عدداً كبيراً من الأخوات والإخوة يريدون أن يترشحوا لعضوية المجلس الثوري واللجنة المركزية. 
هل هذا كثير على فتح؟ بالطبع لا. أيضاً في المؤتمر العام السابع ترشح تقريباً ربع أعضاء المؤتمر لعضوية المجلس الثوري، وفي السادس ترشحت نسبة لا تقل عن ذلك. 
فتح أعطت أعضاءها هذا الحق الذي يقع في جوهر الوعي الفتحاوي وصلب نظام الحركة من أن الأعضاء متساوون في المؤتمر ولا تمييز بينهم، ورغم أنني قد أكون ممن يفضلون وضع بعض الشروط على الترشح تتمثل في الخبرة التنظيمية وطبيعة المهام السابقة إلا أن فتح منحتنا هذا الحق ولا يجب التنازل عنه. 
أما النقاش حول برامج فتح خاصة برنامجها السياسي والوطني العام فيظل الأقل حظوة في دائرة النقاش رغم أنه الأهم لأنه مرتبط بمستقبل فتح، فهذا المستقبل ليس أشخاصاً بل برامج ورؤى وتصورات. 
ومع ذلك سيجد هذا النقاش طريقه للحيز العام فور تعميم الوثائق، وستجد من يعترض ومن يقارن ومن يتهم أيضاً ومن يرفض ويشكك ويعلن تمسكه بالنظام القديم رافضاً تغيير «فاصلة» فيه، وسيكون لهذه الوثائق وقع على مسار الحركة الوطنية ومستقبل النضال التحرري. 
وأيضاً ورغم ذلك فإنها ستكون موضع نقاش وتبادل للنقد والانتقاد. 
لماذا تستكثرون على فتح هذا الصراع الديمقراطي؟ تذكروا أن فتح أكثر تنظيم فلسطيني عقد مؤتمرات تنظيمية على مستوى الأقاليم والساحات أو على الصعيد الوطني العام، وهي التنظيم الوحيد الذي يعقد مؤتمراته بعلنية ويجعلها مفتوحة للنقاش العام. وليس مرد ذلك أن البعض محظور وتحت الخطر كذباً، ففي غزة كل التنظيمات كانت تعمل تحت ضوء الشمس إلا فتح كانت ملاحقة ومطاردة من أجهزة أمن حماس ومع ذلك كانت مؤتمرات فتح علنية وديمقراطية. 
يوم المؤتمر السادس تم الزج بنا أعضاء المؤتمر في الزنازين وتم الاعتداء علينا في لجنة إقليم شمال غزة جسدياً وكذلك مع بقية أعضاء الأقاليم، ومع ذلك تم عقد المؤتمر وعقدنا جلسات مغلقة في دوائر صغيرة وصوتنا عبر الهاتف. 
سيثار نقاش كبير وستظهر صراعات متعددة، وسينتهي المؤتمر وستعلن فتح عن لجنة مركزية جديدة ومجلس ثوري جديد، وسيغضب من يغضب، ويصاب البعض بالإحباط وقد يشهر البعض الآخر سيف النقد والسب حتى، وفي نهاية النهار تجد فتح بقضها وقضيضها تتكاتف لعبور المرحلة ومواصلة رفع لواء الحركة لأنهم يدركون أنها الأقدر على حمل الأمانة والأقدر على قيادة دفة السفينة والطريق الأقصر لإنهاء الاحتلال. 
وكما تقدم فتح فلسطين على نفسها فإنهم يقدمون فتح على أنفسهم، «ولو كان بهم خصاصة».

أحدث الأخبار