أقمنا في معالجة سبقت مقارنة بين مجلس السلام الترامبي، وحالة قديمة ومبتذلة من الاستعمار في قرون مضت، حين تولى تجار ومستثمرون تمويل المشروع الاستعماري في آسيا وأفريقيا والأميركتين. والواقع أن المجلس المذكور، الذي تشكّل للاستيلاء على غزة، يمثل وسيلة إيضاح نادرة لعودة هذا النوع من الاستعمار في نهايات الربع الأوّل من القرن الحالي.
على أي حال، لن يتمكن أحد من فهم وسيلة الإيضاح هذه دون معرفة كافية بالنظام الرأسمالي العالمي من ناحية، والحالة الترامبية كعَرضٍ لمرض أصاب الإمبراطورية الأميركية، ومحاولة للخروج منها، من ناحية ثانية. هذا خارج نطاق هذه المعالجة. كل ما في الأمر أن «الرأسمالية المتأخرة» (ولا بأس من العودة إلى مفهوم يعاني في زمن الجهل المقدّس من الإهمال) تنتج الآن نوعاً جديداً وغريباً من أصحاب المليارات، الذين لا ينتجون شيئاً تقريباً، بل يضاربون في أسواق المال، ويستثمرون في البرمجيات، وتقنيات الرقابة والتجسس والسلاح، وخدمات الترفيه الفاخرة، والفضاء الافتراضي.
انتهت الصورة التقليدية للرأسمالي القديم من طراز هنري فورد وجون روكفلر وأندرو كارنيغي، وحلّت محلها صورة بل غيتس، وجيف بيزوس، ومارك زوكربيرغ. يمكن إضافة الكثير من الأسماء، والشرائح، إلى الصورتين وكلتاهما تمثيلية بطبيعة الحال.
ويعنينا التذكير، هنا، بأمرين: أن الفئة الثانية لا تُنتج شيئاً ملموساً، بل تمارس الوساطة، أي تقديم الخدمات، في الفضاء الافتراضي بين «منتجين» مجهولين ومُستهلكين مجهولين، أيضاً، هذا أولاً، وثانياً أن الفئتين تحتاجان «بنية تحتية» و»علاقات إنتاج» و»وسائل إنتاج» و»قوة عمل» و»سلطة»، وأن الثقافة السائدة، بما فيها من قيم و»أخلاق» هي التجلي الرمزي لكل ما ذكرنا.
وعلاوة على هذا وذاك، تحتاج هذه الفئة، بكل ألوان الطيف التي تمثلها، وما يتفرّع عنها من شرائح اجتماعية، وتمثيلات اقتصادية، وعادات استهلاكية، إلى أماكن خاصة للاستجمام، والإقامة، والتنقل، والاتصال، وتزجية أوقات الفراغ. وعلى هامش هذه الحاجات تنشأ اقتصادات موازية للاستثمار فيها وإشباعها، ناهيك عن إنتاج قيم وعلاقات تُسهم في تطبيعها، وكأنها خير المراد من رب العباد.
مهما يكن من أمر، قد لا نعثر، قبل مرور وقت طويل، على صورة مجازية للرأسمالي في آخر أطوار «الرأسمالية المتأخرة» أفضل من جيفري إبستين، صاحب المليارات، التي لا يعرف أحد مصدرها، ولا كيف حصل عليها. كل ما في الأمر أن المذكور اشتغل في وول ستريت (شارع المال والأعمال في نيويورك) واحترف «إدارة» أموال الأغنياء، كما ادعى.
من محاسن الفضيحة، إذا جاز التعبير، أنها كشفت الشبكة الهائلة العابرة للحدود والقوميات، التي جمعته بآخرين من القماشة نفسها، وفي السياق نفسه، سلّطت الضوء على فنون التهرّب الضريبي، وغسل الأموال، علاوة على الابتزاز بالجنس، كمصادر محتملة لثروته. والأهم أن الفضيحة سلّطت الضوء، أيضاً، على العلاقة بين التجسس المالي والأمني، وأسواق المال، والسياسة، وشبكات المصالح المعولمة.
لا يبدو، في سياق كهذا، من السابق لأوانه القول إن تحليل الإدارة الترامبية، وما يسمها من سياسات الإعفاء الضريبي، والفساد، ومحاباة الأقارب، والتكسّب من الوظيفة، ناهيك عن الحرب على إيران، ومشروع الاستيلاء على غزة، لن ينجو، قبل مرور وقت طويل، من إحالات مباشرة إلى إبستين وشبكته. وقد ربطت بينه وبين ترامب صداقة حميمة (كان توم باراك، سفير ترامب في تركيا، ضلعها الثالث).
المهم أن لكل ما ذكرنا تجليات وتمثيلات في مناطق مختلفة من العالم، ومنها عربية في الحواضر، وإبراهيميات الأطراف. وفي الملفات المُفرج عنها حتى الآن إشارات كثيرة إلى علاقات شخصية ومهنية نشأت بين إبستين وساسة ورجال مال وأعمال في العالم العربي.
ومن سوء الحظ، بالتأكيد، أن الجانب الفضائحي في علاقة هؤلاء بإبستين احتل المتن، بينما لم تحظَ الدلالات الاقتصادية والسياسية لوجودهم في شبكته المعولمة، وشبكات مماثلة، بما تستحق من اهتمام. فسلام إبراهيم، مثلاً، يضمن الدخول إلى، والوجود الآمن في، شبكات مختلفة، والشبكات نفسها تضمن العوائد المادية والمعنوية، بما توفر من أسباب الطمأنينة، وتفتح من أسواق، وتنشئ من شراكات. والواقع أن الصعود الإقليمي للقوّة الإسرائيلية وثيق الصلة بعهود ووعود كهذه.
أخيراً، ما يستحق التفكير والتدبير يتمثل في سؤال ما معنى الاستيلاء على غزة. والصحيح أن الرد لم يتبلور بعد، ولا يقتصر على إجابة واحدة: ثمة مشكلة ديموغرافية وسياسية، تتمثل في وجود مليونَين من بني البشر، ينبغي حلها بما يشبع الحاجات الإسرائيلية الأيديولوجية والاستيطانية والأمنية، وثمة استثمارات مطلوبة تزيد قيمتها على 71 مليار دولار لإزالة الركام، وإحياء البنية التحتية، وتنشيط الدورة الاقتصادية، والإسكان. وثمة احتياطي من الغاز قبالة غزة تقدر قيمته ما بين 6-8 مليار دولار، وثمة واجهة بحرية على طول الساحل تمتد على مساحة 41 كم2، وهي لا تقدر بثمن.
لن تكون لمجلس السلام الترامبي بعد خروج ترامب من البيت الأبيض صفة رسمية. فهو منظمة غير حكومية في الواقع. وهو، بهذا المعنى، أيضاً، مشروع شخصي لترامب وشركاه. لذا، ما يتفاوض عليه المجلس مع الإسرائيليين، بما يضمن «مصالحهم» و»مصالحه»، هو ما يفسر معنى الاستيلاء على غزة، وما يُحرّض على مراقبة ما يجري على الأرض بأعين مفتوحة، وذاكرة قوية، بدلاً من سلوك «حماس» الانتحاري، وافتراض حُسن النوايا لدى الإبراهيميين وغيرهم من أعضاء المجلس (لن يشفق أحد على غزة) أو انتظار عقلانية مفاجئة من الإسرائيليين. فاصل ونواصل.
