بغداد/سما- كشف كريستوف هانس فون شبونيك، منسق الأمم المتحدة السابق لبرنامج «النفط مقابل الغذاء»، في حوار خاص مع DW عربية، عن الأثر العميق الذي تركه العراق في روحه وضميره، وكيف جعلته تجربة العمل خلال أزمة الحصار الاقتصادي في التسعينات يتخذ قرارات إنسانية غيّرت منحى حياته بعد ذلك.
تولى فون شبونيك مسؤوليته في أواخر التسعينات، حين كان العراق يعاني تحت وطأة حصار استمر أكثر من عقد بعد حرب الكويت. يشير إلى أنه أدرك منذ البداية أن عمله لم يقتصر على إدارة برنامج روتيني، بل كان مسؤولية أخلاقية تجاه ملايين العراقيين الذين ذاقوا تداعيات العقوبات. يقول في هذا السياق: «لم أكن أجلس في مكتبي وألعب بالأرقام والإحصاءات، بل كنت أخرج يومياً لأرى الناس بأم عيني».
كان الموارد المخصصة للبرنامج بحسب فون شبونيك قاصرة جداً عن تلبية احتياجات السكان. يوضح: «البرنامج كان يعطي ما يعادل خمسين سنتاً للفرد الواحد آنذاك»، معبراً عن استحالة تحسين أوضاع السكان بمثل هذا المبلغ الضئيل. بعد محاولات متكررة لدى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة للمطالبة بموارد إضافية، اصطدمت جهوده «بجدار سياسي أقوى من إرادتي على إحداث تغيير».
أدرك فون شبونيك أن استمراره في المنصب قد يجعله شريكاً غير مباشر في سياسة تضر العراقيين، فاتخذ قراره بالاستقالة من منصبه في فبراير/شباط 2000. يشرح موقفه: «لو واصلت عملي، لكنت مساهماً في استمرار معاناة أكثر من 23 مليون عراقي، ولم يكن في مقدوري الموافقة على ذلك أخلاقياً».
احتفظ فون شبونيك بذكريات إنسانية عميقة من بغداد. يروي موقفاً بسيطاً لكنه عميق الدلالة: كان يتوقف مع سائقه العراقي عند مخبز لشراء الصمون، فأهداه الخباز حزاماً صنعه بيده بمناسبة عيد الفطر. يصف دهشته قائلاً: «كنت متأكداً بأنه هو من كان بأمس الحاجة إلى هذا الحزام، لكن من كرمه أهداه لي». رأى فيها تجسيداً لكرم العراقيين وإصرارهم على إنسانيتهم رغم ظروفهم الصعبة.
لم تنته علاقة فون شبونيك بالعراق باستقالته. زار البلاد حوالي 11 مرة بين 2000 و2003، وساعد عدداً من المرضى العراقيين، منهم سائقه السابق ليث الذي ذهب إلى ألمانيا لإجراء عملية جراحية. يقول: «جلبت حوالي 15 أو 16 مريضاً عراقياً إلى أوروبا للعلاج، بعضهم كان يعاني من أمراض خطيرة»، وممّل البرنامج من تبرعات شخصية وتكفل المستشفيات بتكاليف العلاج.
استثمر فون شبونيك في التعليم باعتباره الحل الحقيقي لمستقبل العراق. أسس برنامج منح دراسية ضمن نظام «الكليات العالمية المتحدة»، منح خلال 12 سنة حوالي 150 منحة لطلبة عراقيين من مختلف المحافظات. أصرّ على مبدأين أساسيين: مشاركة الفتيات بشكل أساسي وعدم التمييز بين الطوائف والمجموعات العرقية. يؤكد: «كنت أصر على أن تكون هناك فتيات ضمن المرشحين، وألا يكون هناك أي فرق في الاختيار بين الشيعة والسنة والأكراد».
من بين هؤلاء الطلاب فتاة من أربيل شاركت لاحقاً في مشروع كتاب حول إصلاح الأمم المتحدة، حيث ساهمت في نصّ يعبر عن رؤيتها للمنظمة الدولية. شارك في الكتاب تسعة أصوات شبابية، ثمانية منهم نساء، مع مشاركات من دول متعددة مثل روسيا وألمانيا وألمانيا.
يرى فون شبونيك أن هذا البرنامج تعبير عن امتنانه للشعب العراقي وحسن تعاملهم معه. يقول: «كان هذا البرنامج تعبيراً عن امتناني للشعب العراقي وكيفية معاملتهم لي خلال وجودي هناك». ويختتم بتأكيده على ضرورة مسؤولية صحفية دقيقة عند تناول الواقع العراقي، لأن الموضوع «ليس سهلاً» ويستحق عمقاً وجدية في المعالجة.
