مستعمرة رونوك.. كلمة غامضة وحدها تبقى من 118 شخصاً اختفوا دون أثر

مستعمرة رونوك.. كلمة غامضة وحدها تبقى من 118 شخصاً اختفوا دون أثر

2026 Aug,19

يظل اختفاء مستعمرة رونوك على جزيرة قبالة سواحل ولاية كارولينا الشمالية في 18 أغسطس 1590 من بين أقدم الألغاز الملتبسة التي لم يفلح التاريخ الأمريكي في حلّها حتى اليوم. في ذلك التاريخ، عاد الحاكم جون وايت إلى المستعمرة بعد غياب دام ثلاث سنوات، فوجد الموقع مهجوراً تماماً: حوالي 118 شخصاً، من بينهم نساء وأطفال، اختفوا دون ترك أي أثر مباشر سوى كلمتين غامضتين منقوشتين على الخشب.

كانت المباني والحصن قد أُفكّت بنظام وترتيب، مما يشير إلى أن الرحيل لم يكن على عجل. عثر وايت على اسم "سرو" المختصر محفوراً على شجرة قريبة من الحصن، وعلى كلمة "كرواتان" الأغمض منه منقوشة على عمود السياج المحيط بالقرية. "كرواتان" هو اسم قبيلة من السكان الأصليين الأمريكيين كانت تسكن جزيرة مجاورة، وافترض وايت أن المستوطنين ربما لجؤوا إليها. غير أن المسوحات اللاحقة للجزيرة لم تكشف أي دليل على وجود المستوطنين الإنجليز هناك.

بدأت قصة المستعمرة سنة 1587 حين وصل حوالي 115 مستوطناً إنجليزياً إلى الجزيرة بهدف تأسيس أول مستعمرة إنجليزية دائمة في العالم الجديد. تدهورت أحوالهم سريعاً: نفدت المؤن والإمدادات، وبقيت العلاقات متوترة مع عدد من القبائل الأصلية. غادر وايت في أغسطس 1587 متوجهاً إلى إنجلترا لاستقدام التعزيزات والمواد الغذائية، لكن الحروب مع إسبانيا أرجلت عودته بشكل كبير. حين عاد بعد ثلاث سنوات، وجد ما وجد.

من بين من اختفوا إليانور، ابنة وايت، وزوج ابنته، وحفيدته فيرجينيا داري، وهي تحمل لقب أول طفلة إنجليزية تُولد في أمريكا. غدت فيرجينيا رمزاً تاريخياً مشهوراً في الولايات المتحدة: ألّف عنها عشرات الكتب، وأُنتجت أفلام متعددة، وسُميت مقاطعة كاملة في كارولينا الشمالية على اسمها، وأُقيم نصب تذكاري لها على الجزيرة. لكن لا أحد يعرف مصيرها الفعلي ولا ما حدث للمئة بريطاني الآخرين الذين اختفوا معها.

وضع والد فيرجينيا حنانية داري، وهو عامل بناء من لندن، وزوجته إليانور، جميع آمالهما في هذا المشروع الاستعماري. غادرا إنجلترا للأبد في رحلة لم تكن ستعود بهم. مات جون وايت حوالي سنة 1606 دون أن يعرف أي شيء مؤكد عن مصير عائلته والمستوطنين.

على مدى أكثر من أربعة قرون، طرح المؤرخون وعلماء الآثار عشرات النظريات. إحداها تقول إن المستوطنين انضموا بكل بساطة إلى قبيلة كرواتان واندمجوا فيها مع مرور الزمن. في سنة 1709، أجرى المؤرخ جون لوسون مقابلات مع أفراد من القبيلة وسمعهم يتحدثون عن أسلاف بيض لهم. استشهد بالملاحظة أن هنود هاتيراس كرواتان كانوا كثيراً ما يمتلكون عيوناً رمادية اللون، وهي سمة نادرة بين القبائل الأصلية الأخرى.

في سنة 2025، عثر عالما الآثار مارك هورتون وسكوت داوسون على بقايا ورشة حدادة من القرن السادس عشر على جزيرة هاتيراس تحتوي على نشارة معدنية. تشير التقنيات المستخدمة إلى أصول إنجليزية، فقد كانت معروفة بين المستعمرين لكنها غير شائعة بين السكان الأصليين في تلك الفترة، مما قد يكون دليلاً إضافياً على انتقال المستوطنين إلى هناك.

غير أن نظريات أخرى أقل تفاؤلاً انتشرت أيضاً: ربما تعرضت المستعمرة لهجوم من قبائل معادية، لكن لا توجد براهين مكتوبة مباشرة على ذلك. زعم البعض أن مرضاً غريباً قضى على السكان، إلا أن غياب الجثث والقبور الجماعية يدفع هذه الفرضية بعيداً. نوقشت احتمالات متطرفة تتحدث عن مجاعة، وأكل لحوم البشر، وغرق المستوطنين وهم يحاولون العودة إلى إنجلترا بحراً.

من أغرب الروايات روايات استشهد بها بعض المصادر القديمة تتحدث عن سحر وهلوسات جماعية افتعلها سحرة من السكان الأصليين، وأن المستوطنين البيض قُدموا قرابين للإله كرواتان الذي كانت القبيلة تعبده. لكن مثل هذه الحكايات لا تُعتبر دليلاً علمياً.

بعد مرور أربعة قرون وأكثر، لم يتمكن الباحثون من التحقق من أي من هذه النظريات والفرضيات الكثيرة بشكل قاطع. يظل لغز اختفاء مستعمرة رونوك معلقاً، والبحث الأثري عن الأدلة مستمراً حتى اليوم دون أن يُسفر عن إجابة حاسمة.

أحدث الأخبار