«محنّك» و«مستحنك».. لغة جديدة في نقاشات السينما السعودية

«محنّك» و«مستحنك».. لغة جديدة في نقاشات السينما السعودية

2026 Sep,08

ابتكر الجمهور السعودي خلال السنوات الأخيرة مصطلحات خاصة في نقاشاته السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي، إذ اكتسبت كلمتا «محنّك» و«مستحنك» حضوراً ملحوظاً، معكسة رغبة المجتمع السينمائي المتنامي في صياغة لغته الخاصة وتحديد هوية ثقافية محلية.

تطلق تسمية «محنّك سينمائياً» على المتابع الذي يتمتع بمعرفة واسعة وخبرة عميقة بعالم السينما. يوصف هذا الشخص بقدرته على التقاط الإشارات التي يفوتها المشاهد العادي، والربط بين الأعمال وفهم آليات الصورة والمونتاج، ويمتد اهتمامه من السينما الصامتة والأفلام الكلاسيكية إلى أحدث الإنتاجات على المنصات الرقمية. يعرف المحنّك الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أعمال ألفريد هيتشكوك وأكيرا كوروساوا إلى الأعمال السينمائية المعاصرة، وتحمل الكلمة في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة.

غير أن الكلمة اكتسبت مع شيوع استخدامها نبرة ساخرة أيضاً، خاصة عندما يحول شخص حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات المعقدة. ومن هذه المساحة ظهرت كلمة «مستحنك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. يسعى المستحنك إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي، فتمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوق، بينما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين.

يرتبط انتشار هذين المصطلحين باتساع المجتمع السينمائي السعودي، الذي استفاد من صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المتخصصة. وفّرت هذه المساحات مجتمعة أرضية خصبة لتكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً ويتجادل حول تفاصيلها ويضع القوائم ويمنح التقييمات ويتابع الجوائز والإيرادات.

توضح الأرقام حجم هذا التوسع: سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن هيئة الأفلام. تمنح هذه الأرقام صورة واضحة عن حجم الجمهور الذي تشكل حول السينما وطور تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.

اقترنت بعض صور الاستحناك بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان أو ستيفن سبيلبرغ أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق. وقد يزداد حماس المستحنك للعمل كلما قل عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرة الفيلم جزءاً من قيمته والوصول إليه إنجازاً يوازي مشاهدته.

أدت منصات التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في صياغة هذه اللغة الجديدة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختزل وصفاً كاملاً لشخصية معروفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تحولت الكلمة نكتة مشتركة قد يتبناها البعض بسخرية، إذ يكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنّكين»، استباقاً لسخرية الآخرين.

امتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي أصبح لدى بعض المستخدمين شارة أقدمية ودليلاً على أولويتهم في متابعة الأفلام وتقييمها. نشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً.

رغم التقارب الظاهري بين المحنّك والمستحنك، فإن الفارق بينهما يتعلق بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. قد يحب المحنّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه، إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم معرفته لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحول ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة. يبدأ الاستحناك حين تتحول هذه المشاهدات شارات تفوق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه.

تحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح والسخرية، وتشهدان على تشكل ثقافة سينمائية محلية وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغة خاصة به. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «محنّك» و«مستحنك» التجربة السينمائية نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.

اقرأ أيضًا:

أحدث الأخبار