لوم بعضنا بعضاً لن يهزم المستوطنين..عامر بدران

لوم بعضنا بعضاً لن يهزم المستوطنين..عامر بدران

المتجوّل في الريف الفلسطيني بالضفة الغربية يستطيع أن يلحظ نمطاً متكرراً ومنظماً لاعتداءات المستوطنين على ممتلكات الناس وأراضيهم وأرزاقهم. هذا النمط بعيد كلياً عن إمكانية وصفه بالحوادث المتفرقة، أو الاعتداءات العشوائية أو العنف الفوضوي.  فالفوضى التي يقصد المستوطنون ومن خلفهم حكومتهم تصديرها للرأي العام الدولي وللفلسطينيين، ما هي إلا صورة تلفزيونية مقصودة، لكنها تخفي خلفها نمطاً ثابتاً يتكرر بالطريقة نفسها والأسلوب المدروس ذاته في أماكن متعددة ومُختارة بعناية. 
أي أن ما يحدث في الضفة الغربية يشبه الفوضى في صورته، لكنه يشبه التنظيم في نتائجه، فكل حادثة تبدو منفصلة، بينما المسار العام يتقدم في اتجاه واحد بثبات: تضييق الخناق على الأرض وأصحابها. ما يعني أن العالم، بما فيه نحن الفلسطينيين، يسمع الضجيج اليومي ويرى المعاناة الناتجة عنه، لكنه لا يرى الهدوء الإستراتيجي الذي يجمع هذه الوقائع في خيط واحد يرسم خارطة بطيئة، صبورة، ومقصودة. 
يمكن وصف ما يقوم به المستوطنون بجملة «الاستيطان من أعلى نحو الأسفل»، حيث إن الأمر يبدأ عادة بنقطة استيطانية على شكل خيمة أو كرفان، يوضع على رأس تلة أو جبل، بحيث يشرف على القرى المحيطة والطرق الواصلة إليها، وحركة سكانها داخلها أو في محيطها وعلى أطرافها. من هذه النقطة يستطيع مستوطن واحد أن يرسم خارطة للقرية وأن يقرر حدوداً للمجال الحيوي لها، ثم يقوم بفرضه بقوة السلاح وبالتخويف. وبالنتيجة فقد صارت لكل قرية حدود غير مرئية أو غير مرسومة لكنها معروفة من قبل السكان، حيث يعرف كل مواطن أنه يستطيع الوصول إلى المكان هذا، أو إلى منتصف الطريق ذاك، لكنه لا يستطيع أن يتعداه لأن مجموعة من المستوطنين أو حتى ما يُطلق عليه المستوطن الراعي يتجول خلف هذه الحدود الوهمية. 
الراعي هذا لا يستطيع أن يصادر كل ما هو خلف هذه الحدود، وبالتالي لا يستطيع لا هو ولا دولته القول إن هذا المجال لنا أو تحت سيطرتنا. وهو لا يريد ذلك على كل حال، ولا يستطيع قانونياً وعملياتياً أن يقوم به أو أن يدّعيه. لكنه يكتفي بأن صاحب الأرض لم يعد يستطيع الوصول إليها كخطوة أولى، ما سيقود بعد زمن طويل أو قصير إلى يأسه من المحاولة وبالتالي الرضوخ إلى الأمر الواقع المفروض بالقوة. 
بالموازاة مع فرض هذه الحدود، فإن الاستيطان يتمدد ببطء نزولاً من أعلى التلة إلى السهل. طريق ضيق للوصول، ثم أعمدة إنارة، توسيع للطريق ثم تعبيده، زيادة عدد الكرفانات، ثم الحديث عن بؤرة استيطانية غير قانونية وغير معترف بها. بعد ذلك ضغط من المستوطنين الذين يتوافدون من البؤر والمستوطنات الأخرى، مقاومة صورية من الجيش ونقاش صوري من المستوى السياسي، وفي النهاية اعتراف بهذه البؤرة واعتمادها كمستوطنة قانونية. 
يبدو السيناريو مكرراً بما لا يُحصى من المرات، وصولاً إلى النتيجة المكررة هي أيضاً. يسير بموازاة هذا السيناريو سيناريو آخر من الضحية المغلوبة على أمرها والتي تفقد شيئاً فشيئاً أوراق قوتها، وتذهب إلى لغة داخلية قائمة على لوم الكل للكل. فالفلاح الذي يفقد أرضه لا يجد ما يفعله إلا لوم السلطة على تقاعسها، والشاب الذي يتم الاعتداء عليه من المستوطنين يرى أن واجب الدفاع عنه يقع على الأجهزة الأمنية. المجتمع المتضرر يلوم الفصائل والفصائل تلوم المجتمع الدولي، في حالة من الضياع وشبه الاستسلام للأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل كدولة استيطانية، وتقدّم فيه مجموعة من المنفلتين المتوحشين على اعتبار أنهم يقومون بأعمال فردية. 
لا شك أن الكل يعلم أن هذا عمل منظم ومدروس جيداً، وليس مجرد انفلات مجموعات يقودها ويسلحها بن غفير ويموّلها سموتريتش. ولأنه منظم فلا يمكن مواجهته إلا بإستراتيجية وطنية منظمة هي الأخرى وينخرط فيها الكل الفلسطيني، وليس المتضرر فقط. ولكي يتم إحراز نقاط في هكذا إستراتيجية فلا بد من التالي:
لا بد أولاً من إعادة الاعتبار للجهد المحلي، إذ دون هذا الجهد فإن العالم الذي نعوّل عليه لن ينتبه بما فيه الكفاية، ولن يتطوع من تلقاء نفسه لمساندتنا. لقد عوّلنا كفلسطينيين طويلاً على تضامن الخارج مع معاناتنا، ولا أحد ينكر أن هذا التضامن مهم، لكن الأهم منه هو المساندة التي لن يبخل بها هذا الخارج إن قمنا نحن بالمبادرة الجماعية لرفض هذا الواقع. يمكننا القيام بالكثير من الأنشطة والفعاليات وتصديرها إعلامياً لكل من يرفض الاحتلال ويدين ممارساته. 
لقد أدانت حركات التضامن الخارجية وتدين يومياً ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من قمع وتهجير، لكن هذه الإدانة تظل حبراً على ورق وأكثر ما يمكنها تحقيقه هو الرفض لهذا العدو ونبذه وتعرية حقيقته، لكننا بحاجة فوق كل ذلك إلى تحرّك يقف مع مطالبنا، وليس إلى تحرك يقتصر على رفض معاناتنا، وهذا لن يتحقق إن لم نقدّم هذه المطالب بلغة واضحة وأسلوب مقبول ومتوافق مع القيم الأخلاقية لهذا الخارج. 
المسيرات ذات الطابع السلمي، الاعتصامات الحاشدة، مقاطعة البضائع الإسرائيلية ومقاطعة كل ما يختص بهذا المحتل وبمستوطنيه ومستوطناته، العصيان المدني، مع تقديم بدائل مؤسسية للمجتمع، إعلام مساند قوي ومهني لا يركن إلى الشعارات التي أكل عليها الدهر وشرب، بل يذهب إلى القصص الشخصية والإنسانية ويقوم بإبرازها، بالموازاة مع قصص همجية تميّز هؤلاء المستوطنين، حيث لنا في قصة السارق «يعقوب» في الشيخ جرّاح خير مثال. 
عشرات الأنشطة يمكن القيام بها، ثم استخدامها كملف نستجلب على أثره المساندة والمناصرة من حركات التضامن والمتطوعين الأجانب، والذين لنا معهم تجارب سابقة وناجحة في مرافقة المزارعين إلى أراضيهم، وتشكيل حوائط صد بينهم وبين الجيش والمستوطنين. 
باختصار، فإن المتطوع الأجنبي يمكنه أن ينضم مثلاً إلى لجان حماية مهمتها مرافقة قاطفي الزيتون، لكن أولاً يجب أن توجد هكذا لجان، فليس مهمته هو تشكيلها أو الدفع للتفكير بها. وحين تتشكل حركة محلية مسنودة من متطوعين دوليين، فسوف تفرض على السياسيين والدبلوماسيين التحرك مع الحكومات، لا أن يظلوا نائمين في العسل ومنتظرين لمساندة لا تأتي إلا على شكل إدانة. 

أحدث الأخبار