لم يرسمها كي نتذكرها فقط بقلم رامي مهداوي

لم يرسمها كي نتذكرها فقط بقلم رامي مهداوي

ثمة فنانون يرسمون ما يرونه، وفنانون يرسمون ما يريدون للآخرين أن يروه، وثمة فئة نادرة من الفنانين لا ترسم الأشياء بقدر ما ترسم حق الإنسان في أن تكون له ذاكرة. سليمان منصور كان واحداً من هؤلاء. ولهذا يصعب أن نرثيه بوصفه فناناً فلسطينياً رحل، فمثل هذا الرثاء، على ضرورته، يختزل تجربة تجاوزت حدود الفن إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يستطيع شعب مهدد بالمحو أن ينتج صورة عن نفسه، وأن يحافظ عليها، ثم يورثها إلى من يأتي بعده؟

من هنا تبدو "جمل المحامل" أكثر من لوحة، وأكثر من أيقونة وطنية. إنها استعارة فلسفية عن فلسطين. رجل يحمل مدينة على ظهره. القدس، نعم، بما هي مكان ورمز وذاكرة وتاريخ، لكنها في اللوحة تتجاوز جغرافيتها لتختزل وطناً بأكمله، يحمله إنسان أنهكه الحمل، لكنه لا يتخلى عنه. الرجل لا يحمل القدس إلى مكان ما، بل يحملها عبر الزمن. وهنا تكمن إحدى عبقريات منصور: لقد حوّل الجغرافيا إلى ذاكرة، والذاكرة إلى عبء، والعبء إلى هوية.

في العادة ننظر إلى الذاكرة باعتبارها فعلاً ذهنياً؛ نتذكر ما حدث. لكن في التجربة الفلسطينية، الذاكرة ليست مجرد استدعاء للماضي، بل شرط من شروط البقاء في الحاضر. حين تصبح الأرض موضع اقتلاع، والبيوت قابلة للهدم، والأسماء قابلة للمحو، يصبح تذكّر المكان شكلاً من أشكال استعادته. لذلك لم يكن منصور يستعيد فلسطين القديمة من باب الحنين، بل كان يمارس فعلاً أكثر عمقاً: إعادة إنتاج الوجود الفلسطيني في المخيلة.

وهنا تحديداً تتجاوز تجربته مفهوم الفن السياسي المباشر. فالدعاية تريد أن تقنعك بفكرة، أما الفن العظيم فيجعلك ترى الفكرة حتى تصبح جزءاً من وعيك قبل أن تسأل إن كنت مقتنعاً بها. "جمل المحامل" لم تقل لنا: دافعوا عن القدس. لقد جعلتنا نشعر بأن القدس شيء نحمله في داخلنا. وهذه هي قوة الصورة حين تبلغ مرتبة الرمز.

كان منصور يدرك، بوعي الفنان أو بحدسه، أن الصراع لا يدور فقط حول من يملك الأرض، وإنما حول من يملك حق تعريفها. فالأرض ليست مساحة هندسية؛ إنها رواية. والبيت ليس حجارة؛ إنه نسب. والشجرة ليست نباتاً؛ إنها شهادة. والثوب ليس زينة؛ إنه ذاكرة متجسدة. والمدينة ليست أبنية؛ إنها تراكم بشري من الأسماء والوجوه والحكايات.

من هنا نفهم حضور الزيتون والبرتقال والمرأة والتطريز والعمارة الريفية في أعماله. لم تكن هذه العناصر مجرد فولكلور بصري، ولم يكن التراث عنده حنيناً إلى زمن رومانسي انقضى، بل كان التراث أرشيفاً مضاداً للنسيان. كان يعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب ليس أن يخسر معركة، وإنما أن يخسر قدرته على تخيل نفسه. حين يفقد شعب صورته عن ذاته، يصبح قابلاً لأن تعاد كتابة حكايته من الخارج.

لذلك كان الرسم عند منصور فعلاً من أفعال السيادة الرمزية. كان يقول، من خلال اللوحة: هذه فلسطين كما نراها نحن. وهذه الـ" نحن" هي جوهر مشروعه كله. لم يرسم فلسطين كموضوع خارجي يتأمله الفنان من مسافة، بل رسمها من الداخل، كمن يكتب سيرة ذاتية لجماعة بأكملها. ولهذا تبدو أعماله وكأنها محاولة لاسترداد فلسطين من التجريد السياسي وإعادتها إلى تفاصيلها البشرية.

فلسطين ليست القضية فقط. فلسطين أيضاً ذلك الوجه، وتلك الشجرة، وذلك البيت، والمرأة التي تطوي ثوبها، والفلاح الذي يمشي في الحقل، والمدينة التي يحملها رجل عجوز. وربما لهذا السبب بقيت "جمل المحامل" عصية على التقادم. فالرموز السياسية تتغير حين تتغير الأزمنة، أما الرموز الإنسانية الكبرى فتبقى. رجل يحمل ما يفوق قدرته، مدينة محمولة على جسد، وإنسان يمشي تحت ثقل تاريخ لا يستطيع التخلص منه ولا يريد التخلي عنه. إنها صورة فلسطينية، نعم، لكنها في الوقت نفسه صورة الإنسان حين يصبح التاريخ أثقل من جسده.

ولعل ما يجعل تجربة منصور أكثر اكتمالاً أنه لم يكتفِ برسم الأرض، بل حاول أن يعيد إدخالها إلى العمل الفني. حين اتجه إلى الطين والمواد الطبيعية، لم يكن يبحث عن بديل تقني لأدوات الرسم فحسب، بل كان يعيد تعريف المسافة بين العمل الفني ومصدره الأول: الأرض. كأن اللوحة تقول إن الفلسطيني لا يرسم أرضه من الخارج، بل يستخرج الصورة منها. الطين هنا ليس مجرد مادة فنية، بل مادة ذاكرة؛ الأرض تدخل اللوحة، واللوحة تعود لتدخل الذاكرة، فتتشكل دائرة رمزية يصبح فيها الفن وسيلة لاستعادة ما لا يمكن استعادته مادياً.

وهنا يصبح مشروع منصور أوسع من القضية الفلسطينية نفسها، لأنه يطرح سؤالاً إنسانياً عن العلاقة بين الإنسان ومكانه، وبين الهوية والذاكرة، وبين الفن والإحتلال. فالاحتلال يستطيع أن يهدم بيتاً، لكنه  لا يستطيع بسهولة أن يهدم صورة البيت إذا استقرت في المخيلة. يستطيع أن يغير اسم شارع، لكنه لا يستطيع محو الاسم إذا أصبح جزءاً من حكاية عائلة. يستطيع أن يقتلع شجرة، لكن صورة الشجرة يمكن أن تنتقل من لوحة إلى كتاب، ومن كتاب إلى ذاكرة طفل.

الفن لا يحرر الأرض بالمعنى العسكري، لكنه يستطيع أن يمنع احتلالها بالكامل في الوعي. وهذا، ربما، هو أحد أهم ما فعله سليمان منصور. لقد ترك وراءه ما يشبه جغرافيا بديلة لفلسطين؛ فلسطين التي لا يستطيع الاحتلال أن يغلق حدودها، ولا أن يصادر أرشيفها، ولا أن يقرر وحده كيف تبدو. جغرافيا صنعتها الذاكرة، وحفظها الفن، وانتقلت من يد الفنان إلى وعي الناس.

ولهذا فإن رحيله ليس نهاية تجربة فنان، بقدر ما هو انتقال لمسؤولية. فاللوحات التي تركها ليست إرثاً جمالياً فقط، بل سؤال أخلاقي للأجيال التي ستأتي: ماذا سنفعل بالذاكرة التي وصلتنا؟ هل سنكتفي بتعليق "جمل المحامل" على جدار، والتقاط الصور أمامها، ثم المغادرة؟ أم نفهم أن اللوحة ليست شيئاً ننظر إليه فقط، بل شيئاً ينظر إلينا؟

تنظر إلينا وتسأل: ماذا فعلتم بما حمله هذا الرجل طوال حياته؟

لقد حمل منصور فلسطين حتى أثقلته. حملها من بيرزيت إلى القدس، ومن الطين إلى اللوحة، ومن التراث إلى الحداثة، ومن جيل إلى جيل. وحين عجز الجسد أخيراً عن مواصلة الحمل، ترك اللوحة لتكمل الرحلة.

وربما تكمن هنا أكثر المفارقات قسوة وجمالاً في "جمل المحامل": الرجل الذي يحمل القدس يبدو منحنياً، لكن المدينة التي يحملها منتصبة. كأن منصور أراد أن يقول إن الجسد يمكن أن ينهكه التاريخ، لكن الرمز لا يشيخ.

يموت حاملو الذاكرة، لكن الذاكرة لا تموت بالضرورة. رحل سليمان منصور، لكن الرجل ما زال يمشي. منحنياً تحت ثقل القدس، عابراً الأزمنة والأجيال. وفي كل خطوة، كأنه يقول إن أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس وطنه حين يُقتلع منه، بل الصورة التي تجعله يؤمن أن ذلك الوطن كان له، وأنه يمكن أن يبقى له.
تلك كانت فلسطين سليمان منصور.

لم يرسمها كي نتذكرها فقط.
 

كي لا يستطيع أحد أن يقنعنا يوماً أننا نسينا.
 

أحدث الأخبار