غزة /PNN / سلمى القدومي - من بين ركام الحرب في غزة، تحاول أريج السعافين أن تستعيد ما سلبته منها الإصابة، لا سيما شغفها بالرسم وحياتها التي توقفت بعد أن فقدت عينها اليمنى خلال إصابتها في الحرب عام 2024. كانت أريج ترسم منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، وتتنقل بين الفحم والألوان والزيت، قبل أن تفقد مرسمها وأدواتها وإحدى عينيها، لتصبح لوحاتها انعكاساً مباشراً لما عاشته من ألم وفقدان.
ورغم قسوة الإصابة وضيق الإمكانات، عادت إلى الرسم بما توفر لديها من أوراق وخشب وحطب، حاملةً حلماً واحداً: أن تسافر لتلقي العلاج، وتستعيد عينها وحياتها، وتعود إلى الرسم كما كانت قبل الحرب.
وتتابع أريج السعافين أن فقدان عينها لم يكن الخسارة الوحيدة التي خرجت بها من الحرب، فقد خسرت أيضاً عالمها الذي بنته على مدار سنوات من العمل والحب، موضحةً أن مرسمها كان يمثل جزءاً أساسياً من حياتها وهويتها، وكانت تعمل على تطويره يوماً بعد يوم، وتجمع فيه لوحاتها وأدواتها وكل ما يرتبط بشغفها بالرسم.
وتقول إن الحرب سلبتها الألوان واللوحات والرسومات والأدوات التي كانت تعتمد عليها، كما سلبتها مرسمها وعينها، معتبرةً أن ما حدث لم يكن مجرد فقدان لأشياء مادية، بل كان فقداناً لجزء من هويتها وحياتها التي كانت تبنيها بحب وشغف.
وتوضح أن الرسم بعد إصابتها لم يعد كما كان، ففقدان العين أثر بشكل كبير على قدرتها على التركيز، وأصبح الرسم يحتاج منها إلى جهد أكبر ووقت أطول، لكنها، رغم ذلك، لا تزال متمسكة بالقلم وتحاول ألا تتخلى عن موهبتها التي رافقتها منذ طفولتها.
وتشير إلى أن كل يوم كانت تقضيه في مرسمها قبل الحرب كان يحمل لها شيئاً جميلاً، وأنها كانت ترى في الرسم مساحة للحياة والتعبير عن نفسها، قبل أن تأتي الحرب وتغيّر كل شيء وتقطع الطريق أمام أحلامها وطموحاتها.
واوضحت أريج السعافين إن تجربتها بعد الإصابة انعكست بشكل واضح على لوحاتها، فأصبحت معظم رسوماتها تدور حول العيون والشخصيات الكئيبة والشخصيات التي تظهر بعين واحدة، إضافة إلى شخصيات تبدو وكأنها محاصرة أو مسجونة، وعيون مفرغة من تفاصيلها، وأخرى تبدو فيها الحياة موجودة لكنها خلف حاجز يمنعها من الانطلاق.
وتوضح أن هذه الصور لم تكن مخططة أو مقصودة في البداية، وإنما خرجت منها بصورة عفوية، وكأنها تعبير لا إرادي عن تجربتها وما عاشته بعد الإصابة، مشيرة إلى أن مشاعرها وألمها انعكسا على الورق من خلال الشخصيات والعيون التي ترسمها.
وتقول أريج إنها عندما حاولت العودة إلى الرسم بعد إصابتها، وجدت نفسها أمام واقع مختلف تماماً، فقدت فيه معظم أدواتها وإمكاناتها. فلم يعد لديها الفحم أو أقلام الفحم أو الأوراق أو الألوان أو حتى اللوحات التي اعتادت الرسم عليها.
وتضيف السعافين أن حتى الحوامل والمنصات التي كانت تستخدمها لعرض لوحاتها لم تعد موجودة، إذ اضطرت العائلة إلى استخدام ما لديها من خشب وأغراض في إشعال النار خلال ظروف الحرب، لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
لكن شغفها بالرسم دفعها إلى البحث عن أي وسيلة يمكن أن تساعدها على العودة إلى ما تحب. وتروي أنها كانت تجمع الأوراق أو قطع الخشب والحطب، وتحاول استخدامها للرسم، حتى وجدت أن الرسم على الخشب يمكن أن يكون بديلاً ممكناً في ظل غياب الأدوات والمواد التي كانت تعتمد عليها سابقاً.

وتقول اريج إنها بدأت من جديد، ولكن بقدر الإمكانات المتاحة، مؤكدة أن ظروف الحياة في غزة خلال الحرب جعلت كل شيء محدوداً، وأن الإنسان بات مضطراً إلى التكيف مع الأشياء المتوفرة لديه، حتى في أبسط تفاصيل حياته اليومية.
ورغم كل ما فقدته، تؤكد أريج أنها لم تتخلَّ عن حلمها، وأن طموحها اليوم هو أن تتمكن من السفر لتلقي العلاج وإجراء عملية لعينيها، وأن تستعيد حياتها التي تقول إن الحرب سلبتها منها.
وتحلم السعافين بأن تعود يوماً إلى مرسمها، وأن تستعيد أدواتها وألوانها ولوحاتها، وأن تمارس الرسم بصورة طبيعية كما كانت قبل الإصابة، مؤكدة أن موهبتها لا تزال بداخلها، وأن ما تحاول فعله اليوم هو استعادة جزء من تلك الموهبة التي شعرت أن الحرب انتزعتها منها.
وبين عين فقدتها ومرسم دمرته الحرب، تتمسك أريج بقلمها كوسيلة لاستعادة حياتها وهويتها. قد تكون إمكاناتها اليوم محدودة، وقد تغيرت لوحاتها وألوانها بتغير تجربتها، لكن شغفها بالرسم ما زال حاضراً.
وبينما تنتظر فرصة للعلاج والسفر، تواصل الرسم بما تجده حولها، على أمل أن تستعيد عينها وحياتها ومرسمها، وأن تعود يوماً إلى الرسم لا بوصفه مجرد هواية، بل جزءاً من هويتها التي تتمسك بها رغم كل ما سلبته الحرب.

"تم إعداد هذه الفيديو بدعم مالي من CFI وExpertise France والاتحاد الأوروبي. وتقع مسؤولية محتوى هذه الوثيقة بالكامل على عاتق الجهة المستفيدة، ولا يجوز
بأي حال من الأحوال اعتباره معبّراً عن موقف CFI أو Expertise France أو الاتحاد الأوروبي."






