هل تفتح الانتخابات الحالية مرحلة جديدة لمشاركة سياسية فلسطينية مؤثرة؟
جاءت انتخابات الثلاثاء في ظل استقطاب حاد في الشارع الإسرائيلي بين تيار يريد بقاء نتنياهو وآخر يريد رحيله، وهو انقسام قد لا يغيّر الكثير بالنسبة إلى الفلسطينيين في قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، لكنه قد يحدث تغييرات آنية على الواقع المعيشي للفلسطينيين، سواء داخل الخط الأخضر أو خارجه. ويتعلق ذلك بخفض التصعيد الحالي، الذي أججته حكومة نتنياهو الحالية بعد وصولها إلى الحكم عام 2022، وبعد أحداث السابع من أكتوبر في العام التالي. لكن ما قد يشكّل مقدمة لتغيير أعمق هو حجم المشاركة الفلسطينية في هذه الانتخابات؛ إذ تشير تقديرات أولية إلى بلوغها نحو 80%، بعدما تراوحت المشاركة الفلسطينية، خلال الفترة من 1999 إلى 2022، بين نحو 75% في أعلى مستوياتها عام 1999، و44.6% في أدناها عام 2021. فما الذي دفع فلسطينيي الداخل إلى المشاركة بهذه الكثافة؟ وهل كان للنخب دور في إنجاح هذه التعبئة؟ أما السؤال الأهم فيتعلق بالدور المستقبلي للصوت الفلسطيني في صنع القرار، في كيان يشكّل الفلسطينيون فيه نحو خُمس سكانه، لكنه لا يواري توجهاته نحو تكريس النقاء الديني.
تشير دراسة تناولت بلدات فلسطينية داخل الخط الأخضر إلى أن مشاركة الناخب الفلسطيني في انتخابات الكنيست ترتبط بالاعتبارات السياسية. فقد وجدت انخفاضاً كبيراً في المشاركة في الانتخابات التي أعقبت انتفاضة الأقصى مطلع الألفية الحالية، وفسّر ذلك في إطار الإقصاء السياسي وتداعيات أحداث أكتوبر 2000 على العلاقة بين الفلسطينيين والدولة. على العكس، ارتفعت المشاركة العربية بوضوح في أول انتخابات بعد أوسلو، في 29 أيار 1996، حيث بلغت نسبة المشاركة نحو 77%، مقارنةً بـ69.7% عام 1992، بزيادة 7.3 نقطة مئوية. وتوصف المشاركة الفلسطينية في انتخابات الكنيست الحالية بأنها تاريخية، فقد وصلت المؤشرات الأولية للمشاركة إلى 80%.
واجه فلسطينيو الـ48 خلال عهد حكومة نتنياهو الحالية تحديات تفاقمت مقارنة بالمراحل السابقة، شملت الأمن الشخصي، والحريات العامة، وميزانيات التنمية، والسكن. لم تبدأ مشكلاتهم مع هذه الحكومة؛ فقد سبقته فجوات اجتماعية واقتصادية متراكمة بين البلدات العربية واليهودية في فرص التعليم والتشغيل، ومستوى البنية التحتية والخدمات. جاء ذلك إلى جانب أزمة عنف وجريمة مستعصية ومتصاعدة في المجتمع الفلسطيني دون حلول. واجه فلسطينيو الـ48 خلال عهد حكومة نتنياهو الحالية تحديات تفاقمت مقارنة بالمراحل السابقة. وتأتي أزمة الأمن الشخصي في مقدمة هذه التحديات؛ إذ تُظهر بيانات موثقة ارتفاع عدد ضحايا العنف والجريمة من 116 عام 2022 إلى 244 عام 2023، ثم 230 عام 2024، وصولاً إلى 252 عام 2025، بما يتجاوز ضعف الحصيلة المسجّلة قبل تولّي الحكومة الحالية. وضمن ذات السياق، لم يقترن هذا التصاعد بمحاسبة فعّالة؛ فقد أكدت «تايمز أوف إسرائيل»، أن الشرطة الإسرائيلية لم تتمكن من حلّ سوى نحو 10% من جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني في العام 2025. واعتبرت هذه المشكلة في استطلاع للرأي أجرى في العام 2024 التحدي الأكبر للمجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر.
وإلى جانب تدهور الأمن الشخصي، يواجه فلسطينيو الـ48 تصعيداً في التضييق على حرية الرأي والتعبير والاحتجاج في عهد حكومة نتنياهو الحالية، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023. وثّق مركز «عدالة» تحقيقات واعتقالات وملاحقات على خلفية منشورات ونشاطات احتجاجية في الفضاء الإلكتروني، شملت تعبيرات تندرج ضمن حرية التعبير، مثل معارضة استهداف المدنيين والتضامن مع الفلسطينيين في غزة. لم يقتصر التضييق على الفضاء الإلكتروني؛ فقد شمل أيضاً قيوداً واسعة على تنظيم تظاهرات مناهضة للحرب، واللجوء لإجراءات تسكت الانتقادات الفلسطينية.
تمتد هذه التحديات إلى التعليم والتشغيل والبنية التحتية وقدرة السلطات المحلية على تقديم الخدمات في المجتمعات الفلسطينية.
رصد تقرير لمركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، صدر في آذار 2026، تراجعاً في تخصيص الأموال وتنفيذ مهام خطط تطويرية للبلدات الفلسطينية خلال الأعوام 2022–2024. وكشفت تقارير صحافية عن موافقة الحكومة على تحويل نحو 220 مليون شيكل من مخصّصات خطة مدنية إلى الشرطة والشاباك، على حساب موارد كانت مخصّصة نسبة منها لبناء صفوف دراسية ودعم المؤسسات الثقافية ومراكز الشباب في البلدات فلسطينية. كما طعنت منظمات حقوقية ولجنة رؤساء السلطات المحلية الفلسطينية أمام المحكمة بقرار الحكومة الذي جاء في تموز الماضي باقتطاع 496.9 مليون شيكل من الخطة الخمسية 550 وتحويلها إلى الشرطة والشاباك.
تمتد تلك التحديات لتصاعد عمليات هدم المباني والتهجير في النقب، حيث وثّق «منتدى التعايش السلمي في النقب» 5,187 عملية هدم لمبانٍ ومنشآت عام 2024، بزيادة 58% عن العام السابق. ومن أبرز الحالات هدم عشرات المنازل في قرية وادي الخليل، ما ترك مئات الفلسطينيين دون مأوى. تتقاطع تلك السياسات لحكومة نتنياهو ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر مع أخرى أصعب وأشد تعقيداً ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، ما يفسر حالة القلق وتصاعد المخاوف من نوايا هذه الحكومة.
قد يكون لهذه العوامل السابقة، ووعي النخب الحزبية الفلسطينية بها دور كبير في توجيه وتحشيد وتشجيع الرأي العام للتوجه لصناديق الاقتراع في هذه الانتخابات. أدارت القائمتان الفلسطينيتان حملة خالية نسبياً من الهجمات المتبادلة، مقارنةً بحملات سابقة. وركزت تلك الحملة على أن زيادة قوة القوائم سيحد من تشكيل حكومة جديدة بمشاركة وزراء متطرفين. كما ظهر دور للنشطاء والفاعلين المجتمعيين في تشجيع الفئات المختلفة للتصويت وتجنب الاستفزازات التي يمكن أن تعطل الوصول لصناديق الاقتراع في هذه الانتخابات. عكست الدعاية الانتخابية لعدد من هذه النخب التطور السياسي الذي تراكم عبر السنوات ونضج بفعل سياسات حكومة نتنياهو التي تستهدف الفلسطينيين.
تنبع أهمية المشاركة الفلسطينية في انتخابات الكنيست من قدرتها على فرض موازين سياسية مهمة، فقد يساهم المقعد الفلسطيني في الكنيست في ترجيح تشكيل حكومة أو ضمان بقائها. بعد انسحاب حزب «شاس» الديني من حكومة رابين في العام 1993، واصلت هذه الحكومة البقاء، رغم تقلص عدد أعضائها إلى 56 نائباً، استناداً لدعم خمسة نواب، من الكتل الممثلة للمجتمع الفلسطيني، من خارج الائتلاف الحكومي آنذاك. وساهمت مشاركة القائمة العربية الموحدة في العام 2021 ضمن ائتلاف بينيت – لابيد في تشكيل حكومة بديلة لحكومة نتنياهو. يمتد تأثير الكتل الفلسطينية في الكنيست إلى إقرار تشريعات وميزانيات تخدم المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر. فقد أسهمت الأحزاب الفلسطينية، بالتعاون مع رؤساء سلطات محلية ومؤسسات أهلية، في الدفع نحو خطط حكومية لتقليص الفجوات بين المجتمعات اليهودية والفلسطينية. كما أتاح الحضور الفلسطيني في الكنيست فرض قضايا الفلسطينيين على جدول أعمال الكنيست وإحالتها إلى لجانه، مثل مناقشة قضية هدم البيوت في قلنسوة وإدراجها أمام لجنة الداخلية، وقضية أجور العمال الفلسطينيين ومثولها أمام لجنة العمل.
على الرغم من أن توسيع التمثيل الفلسطيني يمكن أن يجعل الأحزاب الفلسطينية من بين القوى الكبيرة في الكنيست، وتؤثر في صنع القرار ضمن حدود، كما تشير التجربة، إلا أن تلك الزيادة العددية لا تتحول تلقائياً إلى تأثير جوهري في صنع القرار وتحويل المسارات، إذ تبقى محصورة في حدود المسارات سابقة الذكر، خصوصاً تلك التي تتعلق بمصير بالفلسطينيين. لذلك لا بد من الاستثمار بالإضافة إلى رفع المشاركة الفلسطينية المستمرة والمنظمة، والاستفادة من الصوت اليساري وأصوات الوسط داخل الخط الأخضر، خصوصاً تلك التي تتفهم حقوق الفلسطينيين وعدالة قضيتهم، سواء كان ذلك في الكنيست أو في الشارع ودعمه، لرفع أسهمه والاستثمار في شراكته.
