يبني الفنان الفلسطيني عمر شاع أعماله الفنية من ملتقى الواقع بالخيال والطبيعة بالذاكرة، ليحوّل التفاصيل اليومية إلى عوالم سريالية مشبعة برموز الهوية والانتماء. عابرًا بين وسائط فنية متعددة — التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت — يخلق شاع لغة بصرية متميزة تنطلق من التجربة نفسها قبل الوصول إلى مفهومها النهائي.
لا يبدأ الفنان الفلسطيني الشاب مع فكرة محددة مسبقًا، بل يضع مجموعة من القواعد أو المحدّدات التي تعطيه نقطة انطلاق — قد تكون بحثًا طويلًا عن مكان معين أو التزامًا بلون واحد — فينطلق العمل الفني بتطور تدريجي حتى يصل إلى صورته النهائية. تنبثق أفكاره غالبًا من أماكن تحتفظ بعلاقتها الطبيعية بالإنسان، مجتمعات هادئة وسط الطبيعة بعيدة عن آثار التنمية: ينابيع مياه ساخنة، صحارى، عائلات تجتمع تحت شلال، مشاهد غروب دافئة فوق الجبال. وكل مشهد قد يكفي لإطلاق فكرة جديدة، فينتقل بعدها إلى التحقيق في تاريخ المكان ليستخرج آثارًا من ماضيه يمكن إبرازها داخل العمل.
يجمع شاع تدريجيًا وهو يبني الصورة بين المشاعر التي أثارها المكان وتاريخه والضوء وتفاصيله، تاركًا العناصر لتتطوّر بحرية حتى تكتمل الصورة التي يتخيّلها. أحيانًا يضيف تفاصيل صغيرة محملة بطابع فكاهي أو نكات داخلية، قد يفك رموزها بشكل خاص أشخاص من خلفيته وثقافته. وحيال تنوع وسائطه الفنية، لا يرى شاع فيها تغييرًا في هويته الإبداعية، بل اختيارًا يرتبط بالشعور الذي يريد نقله: قد يعاين مشهدًا في الينابيع الساخنة بلا كاميرا معه، فيعود إلى الاستوديو ليرسمه. وفي حالات أخرى، تترك مغامرة ما لديه إحساسًا يصعب تحويله إلى كلمات أو عناصر على لوحة، فيجد النحت أو صناعة مزهرية الوسيلة الأنسب للتعبير عنه.
علاقة شاع بالمناظر والذكريات والهوية العربية لا تنطلق من رغبة مباشرة في الوصول إلى جمهور عالمي، بل من حاجة شخصية إلى توثيق ما يحدث حوله. مع ذلك، تحمل أعماله رغبة واضحة في إبراز خلفيته ومجتمعه، خصوصًا تلك اللحظات الدافئة والعادية والمليئة بالفرح التي لا تحظى عادةً بالقدر نفسه من الرؤية. يعتقد شاع أن وصول هذه الأعمال إلى أشخاص من خارج خلفيته يعود إلى صدق تلك اللحظات، لا إلى تصميمها لتكون عابرة للحدود: مشهد مجتمع مصوّر بعاطفة حقيقية يمكن أن يلامس الآخرين، حتى لو لم يعرفوا جميع الإشارات والتفاصيل التي يتضمنها.
تلعب المواد والألوان دورًا أساسيًا في هذه اللغة البصرية. يعود شاع باستمرار إلى مشهد غروب الشمس، الذي يصفه بأنه أحد أكثر العناصر رومانسية وعاطفية بالنسبة إليه. والطين يحتل مكانة خاصة في تجربته الفنية، سواء استخدمه عنصرًا داخل صورة فوتوغرافية أم مادة للنحت، إذ يراه مادة مرنة ومتسامحة تسمح لليدين بالحركة بحرية والتعبير عما تريد قوله من دون قيود.
مع توسع تجربته في الجانب السريالي من صناعة الصور، وجد شاع تقاطعًا مشتركًا مع عالم الموضة. يقول إن هذا الجانب من تجربته جذب اهتمام قطاع الأزياء، وفتح أمامه مجالًا جديدًا لصناعة الشخصيات لا فقط المناظر والمشاعر. من هنا بدأ يستكشف مفهوم الهوية بطريقة أكثر مرحًا: تخيل عارض أزياء في صورة بطل خارق سريالي، أو تحويل لاعبي كمال أجسام إلى شخصية واحدة تبدو كوحش واحد.
في عصر تُستهلك فيه الصور بسرعة غير مسبوقة، لا يرى شاع أن سرعة الاستهلاك الرقمي تؤثر كثيرًا في طريقته في التفكير بعمله. هو يتخيل أعماله أساسًا ضمن سياق مادي: مطبوعة في مجلة أو ضمن كتاب أو معروضة في معرض، لا كمنشور يظهر لثوانٍ على الشاشة قبل أن يُتجاوز برقة إعجاب سريع. أما الأثر الذي يريد تركه لدى من يشاهد أعماله للمرة الأولى، فلا يبحث فيه عن تفسير عميق أو قراءة فكرية معقدة، بل عن إحساس بسيط وساذج وخالد يعيد المشاهد إلى لحظة من طفولته. بالنسبة إليه يكفي أن يصل العمل عاطفيًا أولًا، وأن يبقى هذا الشعور مع المشاهد بدل أن يتحول إلى فكرة تحتاج دائمًا إلى التفكيك والتحليل.
