لندن/سما- يمثل عقار أوفبوريكستون الجديد نقطة تحول في معالجة النوم القهري، اضطراب عصبي يتسبب في نوبات مفاجئة من النعاس العميق قد تحدث في أي وقت من اليوم، بما في ذلك أثناء الحديث أو ممارسة الأنشطة الروتينية. وأظهرت التجارب السريرية الحديثة قدرة العقار على معالجة المشكلة الأساسية للمرض بدلاً من مجرد تخفيف الأعراض.
يستهدف أوفبوريكستون نقصًا حقيقيًا في مادة طبيعية بالدماغ تدعى أوركسين، المسؤولة عن تنظيم دورات النوم واليقظة. ينتج الأوركسين من خلايا موجودة في منطقة تحت المهاد، وبحسب الدراسات الطبية فإن النوع الأول من النوم القهري، الذي يشكل نحو 75% من الحالات، ينجم عن فقدان هذه الخلايا المنتجة. يعتقد الباحثون أن السبب يعود إلى خلل في الجهاز المناعي يهاجم هذه الخلايا بالخطأ، مما يؤدي إلى انهيار منظومة النوم الطبيعية في الدماغ.
يعمل العقار الجديد على تحفيز مستقبلات أوركسين-2 في الدماغ، مما يساعد على زيادة إنتاج هذه المادة الضرورية. ولا يقتصر دور الأوركسين على النوم واليقظة فقط، بل يؤثر أيضًا على التركيز والتحفيز وأنظمة المكافأة الدماغية، وهو ما يفسر التأثيرات الشاملة للدواء.
انطلقت التجارب السريرية للعقار بمشاركة أكثر من 270 مريضًا بالنوم القهري، تناول المشاركون جرعات من أوفبوريكستون مرتين يوميًا على مدار ثلاثة أشهر. أسفرت النتائج، التي نشرتها شركة تاكيدا المصنعة للدواء، عن تحسن ملحوظ في مستوى اليقظة أثناء ساعات النهار، وأهمها انخفاض نوبات "الجمدة" أو فقدان السيطرة العضلية المفاجئ بمعدل 80% في المتوسط. الجمدة من أخطر مضاعفات النوم القهري، حيث تؤدي فقدان الشخص السيطرة على عضلاته فجأة، وقد ينزلق للسقوط خاصة إذا حدثت أثناء القيام بأنشطة يومية.
اقتصرت الآثار الجانبية المسجلة خلال الدراسات على مضاعفات خفيفة، شملت الأرق الليلي وزيادة طفيفة في تكرار التبول، وهو ملف تعريفي آمن نسبيًا مقارنة بالعلاجات الحالية المتاحة.
قال غاي ليشزينر، أستاذ علم الأعصاب وطب النوم واستشاري أمراض الأعصاب في مستشفى غاي وسانت توماس بلندن، إن محاولات استهداف مسار الأوركسين ظلت حلمًا لمجتمع الأطباء المتخصصين لسنوات طويلة. أكد ليشزينر أن أوفبوريكستون هو الدواء الأول من فئته الذي يصل إلى السوق الحقيقي، واصفًا نتائج التجارب بأنها "مشجعة للغاية" ومؤكدًا أنه يفتح آفاقًا واعدة للمصابين بهذا الاضطراب العصبي المنهك.
منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية موافقتها على استخدام أوفبوريكستون لعلاج النوم القهري في أغسطس 2026. وفي بريطانيا، بدأ المعهد الوطني للتميز في الرعاية الصحية تقييمًا دقيقًا لإمكانية توفير الدواء عبر هيئة الخدمات الصحية الوطنية، على الرغم من التقديرات التي تشير إلى أن تكلفة الدواء تبلغ حوالي 120 ألف جنيه إسترليني للمريض الواحد سنويًا. من المتوقع صدور القرار النهائي بشأن إدراج الدواء في قائمة الأدوية المموّلة بحلول أبريل 2027.
تعتمد العلاجات المتاحة حاليًا على السيطرة على الأعراض فقط دون معالجة السبب الأساسي. يشمل ذلك عقار مودافينيل الذي يعزز اليقظة خلال النهار، وأوكسيبات الصوديوم الذي يحفز النوم العميق ليلاً لتقليل النعاس النهاري. لكن هذه الأدوية ترتبط بآثار جانبية متعددة وتتطلب مراقبة دقيقة للمريض، مما يعزز الحاجة الملحة لخيارات علاجية أفضل تعالج المشكلة من جذورها.
تستمد تطوير علاجات أكثر فاعلية أهميته أيضًا من أبحاث حديثة تشير إلى مخاطر صحية جسيمة مرتبطة بالنوم القهري. تابع باحثون دوليون آلاف المصابين بالمرض على مدار 25 عامًا، وكشفوا أن معدل الوفيات المبكرة لديهم أعلى بنسبة 30% مقارنة بالأشخاص الأصحاء. ربطت الدراسة، التي نُشرت في مجلة طب النوم السريري في مايو 2026، هذا الارتفاع في المخاطر بأمراض مزمنة مرتبطة بالنوم القهري نفسه، منها أمراض القلب والسكري من النوع الثاني وبعض الاضطرابات النفسية التي تترافق مع المرض.
اقرأ أيضًا:
