مدار نيوز \
تتصاعد المخاوف الإنسانية في قطاع غزة مع تفاقم الأوضاع المعيشية وزيادة احتياجات النازحين واللاجئين الفلسطينيين للخدمات الأساسية من غذاء ودواء ومأوى. وتثير الإجراءات التقشفية التي تلوح بها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) قلقاً واسعاً حول قدرة مئات الآلاف من الأسر على الصمود في ظل اعتمادها الكلي على هذه المساعدات.
شهد مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة وقفة احتجاجية حاشدة دعت إليها اللجنة الشعبية، حيث تجمع اللاجئون والنازحون للتعبير عن رفضهم لأي مساس بحقوقهم التاريخية. وأكد المشاركون في الوقفة أن تقليص الخدمات يأتي في توقيت كارثي، حيث يعاني السكان من ويلات العدوان المستمر والحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال على كافة مناحي الحياة.
تواجه الوكالة الدولية أزمة مالية خانقة بعجز نقدي يقدر بنحو 100 مليون دولار لعام 2026، مما دفع الإدارة لاتخاذ خطوات تقشفية شملت تقليص ساعات العمل والخدمات بنسبة 20%. ورغم هذه التحديات، لا تزال المؤسسة الدولية مسؤولة عن تقديم الإغاثة لنحو 1.7 مليون شخص في القطاع عبر آلاف الموظفين ومراكز الإيواء والعيادات الصحية.
بالنسبة للاجئ والنازح جهاد عبد محمد شليش، فإن القلق لا يتوقف عند حدود فقدان السلة الغذائية اليومية، بل يتعداه إلى الخوف على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. ويرى شليش أن الوكالة تمثل الشاهد الدولي الوحيد على نكبة الشعب الفلسطيني ومعاناته الممتدة منذ عقود، معتبراً أن استهدافها هو استهداف لحق العودة.
أوضح شليش في حديثه لمصادر صحفية أن اللاجئين يواجهون ظروفاً قاسية للغاية في ظل النقص الحاد في العلاج والتعليم والإيواء، مشدداً على رفض استبدال الأونروا بأي مؤسسات أخرى. وأشار إلى تمسكه ببطاقة التسجيل الخاصة به كوثيقة هوية وطنية تثبت حقه التاريخي وتؤكد ارتباطه المباشر بقضية اللاجئين.
في عيادة السويدي بمخيم الشاطئ، التي تحولت إلى مركز إيواء، يروي النازح حسين عزام تفاصيل المعاناة اليومية لأسرته التي فرت من مخيم جباليا بحثاً عن الأمان. ويشير عزام إلى أن المبنى المتهالك يعاني من تهميش واضح ونقص في المساعدات، فضلاً عن مخاطر إنشائية تهدد حياة المقيمين فيه نتيجة تدهور البنية التحتية.
أكد عزام أن الوقفة الاحتجاجية هي صرخة للمطالبة بحقوق الأطفال في الحصول على العلاج المجاني والتعليم، وهي أبسط مقومات الحياة التي كفلتها القوانين الدولية. وتحدث بمرارة عن حالة ابنته ميار التي فقدت بصرها مؤقتاً نتيجة البرد القارس وسوء التغذية، محذراً من أن تقليص الخدمات الصحية سيؤدي إلى كوارث طبية لا تحمد عقباها.
مواطنون يحتجون على تقليص خدمات الأونروا – الغد
تزداد المخاوف مع اقتراب فصل الشتاء، حيث يفتقر النازحون في مراكز الإيواء والخيام إلى الأغطية والفرش ووسائل التدفئة الضرورية للحماية من الأمطار. ويشدد الأهالي على أن الدفاع عن استمرارية عمل الوكالة هو دفاع عن حق أطفالهم في الحياة الكريمة، في ظل انعدام فرص العمل وتوقف مصادر الدخل تماماً.
من جانبه، صرح يوسف حسن الزعلان، رئيس اللجنة الشعبية في مخيم الشاطئ، بأن الرسالة الموجهة للمجتمع الدولي واضحة بضرورة الحفاظ على مستوى الخدمات الإغاثية. وأوضح أن أي تراجع في الدعم المقدم للفئات الأكثر فقراً سيعمق الأزمة الإنسانية ويؤدي إلى انفجار اجتماعي نتيجة فقدان القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
أضاف الزعلان في تصريحاته أن التحركات الشعبية لا تستهدف الوكالة بحد ذاتها، بل تهدف للضغط على المانحين لتعزيز قدرتها المالية وضمان استدامة برامجها. وطالب بضرورة عودة الخدمات لمستوياتها السابقة وتوسيع نطاق المساعدات المالية والطبية لتشمل كافة العائلات المتضررة من حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال.
حذر صلاح عبد العاطي، مدير الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني، من التداعيات القانونية والسياسية الخطيرة المترتبة على تقويض دور الأونروا في قطاع غزة. وأشار إلى أن اعتماد 1.7 مليون إنسان على هذه المؤسسة يجعل من أي خلل في تمويلها تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصحي للمجتمع الفلسطيني.
لفت عبد العاطي إلى أن تقليص الخدمات بنسبة 20% لا يمثل حلاً للأزمة المالية، بل يفاقم الضغوط على المؤسسات المحلية المنهكة أصلاً بسبب الحصار والعدوان. وأكد أن الحفاظ على ولاية الوكالة هو التزام دولي يجب ألا يخضع للابتزاز السياسي أو الضغوط المالية التي تمارسها بعض القوى الدولية.
دعا حقوقيون الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول المانحة إلى توفير تمويل مستدام ومستقر يخرج الوكالة من دائرة العجز الدائم. وشددوا على أن المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين تقتضي ضمان حصولهم على حقوقهم الإنسانية حتى الوصول إلى حل عادل لقضيتهم وفق القرارات الأممية.
تظل الوقفة الاحتجاجية في مخيم الشاطئ تجسيداً لحالة القلق الوجودي التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، حيث يرون في تقليص المساعدات حلقة جديدة من حلقات التضييق. وبين الأرقام المالية الجافة ومعاناة الأطفال المرضى، يبقى المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وإنساني لإنقاذ شريان الحياة الوحيد المتبقي لمليوني إنسان.








