إسبانيا/سما- ينتظر مراقبو الظواهر الفلكية حدث فلكي مهم الأربعاء، عندما يمرّ كسوف شمس كلّي عبر مناطق جغرافية متعددة، وتتزامن معه ظاهرة غريبة عرفها المراقبون عبر القرون باسم "أشرطة الظل"، وهي أنماط غريبة من الضوء والظلام تظهر قبل الكسوف الكلي وبعده مباشرة، عندما يحجب القمر ضوء الشمس بالكامل.
وصف مراقبو الكسوفات عبر الأجيال هذه الظاهرة بطرق متنوعة: خطوط داكنة طويلة تفصل بينها مساحات بيضاء تتسابق عبر الأرض أو جوانب المباني، أو موجات مائية متدفقة، أو حتى ثعابين شبحية. يمكن للعين البشرية رصد هذه الأشرطة بسهولة نسبية، لكن تصويرها بالفيديو يثير تحديات تقنية بسبب تباينها الدقيق.
سيتمكن هواة مراقبة الظواهر الفلكية من رصد هذا المشهد الفريد عندما يمر مسار الكسوف الكلي عبر الطرف الشمالي لروسيا وشرق غرينلاند وغرب آيسلندا والنصف الشمالي من إسبانيا والزاوية الشمالية الشرقية من البرتغال. وتأتي هذه الفرصة بعد 99 عامًا على آخر كسوف كلي عبر الولايات المتحدة من الساحل إلى الساحل عام 2017.
ديفيد تيرنشيك، أستاذ الفيزياء وعلم الفلك في جامعة بيتسبرغ ومدير مرصد أليغيني، شهد أشرطة الظل لأول مرة في سن المراهقة. روى تيرنشيك تجربته قائلًا: "كنت في الرابعة عشرة من عمري، وذهبت لمشاهدة كسوف كلي بالقرب من شاطئ فرجينيا عام 1970، وكان لدي تلسكوب صنعته بنفسي لمحاولة تصوير الكسوف. فيما كنت هناك، لاحظت قبيل الكسوف الكلي مباشرة أن هذه الأشرطة الضوئية غمرت الأرض".
رغم أن تيرنشيك ركز أبحاثه بشكل أساسي على تكوين المجرات وأشباه النجوم، إلا أنه احتفظ بفضول عميق تجاه أشرطة الظل، وهي ظاهرة لم تحظَ بتفسير قاطع حتى الآن، بل توجد لها نظريتان متنافستان. حصل تيرنشيك على تمويل من وكالة ناسا لدراسة هذه الظاهرة، فسافر إلى ولاية تينيسي برفقة طلبة من جامعة بيتسبرغ خلال كسوف 2017.
كان الهدف اختبار النظرية السائدة، التي طُرحت في ثمانينيات القرن العشرين، والتي تقترح أن الاضطراب الجوي — أي الحركة غير المنتظمة للتيارات الهوائية في الغلاف الجوي — يسبب ظهور أشرطة الظل. عندما يحجب القمر معظم الشمس قبل الكسوف الكلي، ولا يتبقى سوى شريط رقيق من ضوء الشمس، يصبح هذا الاضطراب مرئيًا.
وضع الفريق أجهزة كشف ضوئية تسمى الثنائيات الضوئية على سطح الأرض وعلى متن منطاد يحلق على ارتفاع 25 كيلومترًا، وفق النظرية السائدة التي كان من المتوقع أن ترصد أشرطة الظل على الأرض لكن ليس على المنطاد الذي يعلو معظم طبقات الغلاف الجوي. لكن النتائج كانت مفاجئة تمامًا.
اكتشف الباحثون إشارة مستمرة بتردد 4.5 هرتز — وهو مقياس لعدد مرات مرور موجة ضوئية بنقطة ثابتة في الثانية — سواء على ارتفاعات عالية أو على سطح الأرض. قال تيرنشيك: "لاحظنا هذا التأثير فوق الغلاف الجوي وعلى سطح الأرض، ما يعني أن النظرية السائدة لظهور أشرطة الظل قد تكون خاطئة، بمعنى أنها ليست التفسير الوحيد لهذه الظاهرة".
أشارت نتائج دراسة 2017 إلى تفسير آخر بديل، يُعرف باسم حيود التداخل، قد يكون مسؤولًا عن ظهور أشرطة الظل. تتشكل الحيود عندما تصطدم الموجات الضوئية بعائق — فعندما ينحني الضوء حول عائق حاد كحافة سكين، تنحني الموجات وتتداخل مع بعضها لتكوين أشرطة من الضوء المظلم والساطع.
تحقق الفريق من أن الإشارة لم تكن ناتجة عن خلل إلكتروني أدى إلى قراءات خاطئة. يشير تيرنشيك إلى أنه في الحالات العلمية المعقدة، "غالبًا ما يكون هناك أمران صحيحان في الوقت عينه، يسهمان في هذه الظاهرة"، مما يعني أن كلا النظريتين قد تلعب دورًا في تشكيل أشرطة الظل.
سيسافر تيرنشيك إلى ليون بإسبانيا مع بعض زملائه لمشاهدة الكسوف القادم، لكنه لن يتمكن من تكرار التجربة نفسها بسبب التعقيدات اللوجستية. ليس تيرنشيك الباحث الوحيد الذي يسعى لتوثيق هذه الظاهرة الأربعاء.
غوردون تيليبون، هاوٍ متحمس لرصد ظاهرة كسوف الشمس، سيكون في جزيرة مايوركا الإسبانية. عمل تيليبون سفيرًا لوكالة ناسا لنشر المعرفة حول الكسوف في عامي 2017 و2024، وقد رصد أشرطة الظل في 5 من أصل 7 حالات كسوف كان قد شاهدها. أوضح تيليبون: "لن تراها على العشب أو الإسفلت أو ما شابه. أنت بحاجة إلى خلفية ناعمة فاتحة اللون". أضاف أن من السهل تفويت أشرطة الظل، لأنها تظهر قبل الكسوف الكلي مباشرة، وهو الوقت الأكثر إثارة عندما ينظر المشاهدون إلى الهلال الأخير الرقيق الذي تشكله الشمس.
من جهة أخرى، يدعو الباحث المستقل جو كونتي، المهتم بالفيزياء والمقيم في ماساتشوستس، هواة رصد الكسوف في آيسلندا وإسبانيا إلى توثيق هذه الظاهرة البصرية بهواتفهم الذكية ضمن مشروع علمي مفتوح لعامة الناس. أبدت خمس مجموعات اهتمامها بالمشاركة حتى الآن. ينصح كونتي بإعداد لوحة رصد بسيطة مصنوعة من الورق المقوى وتغطيتها بملاءة بيضاء، آملًا في أن تسهم البيانات المجمعة في مساعدة المجتمع العلمي على فهم أسباب ظهور أشرطة الظل.
اقرأ أيضًا:
