شهادتي... لو كنت عضوًا في مؤتمر فتح ..جمال خالد الفاضي

شهادتي... لو كنت عضوًا في مؤتمر فتح ..جمال خالد الفاضي

لأن حركة فتح ليست تنظيمًا عابرًا في التاريخ الفلسطيني، بل الحركة التي شكّلت جزءًا كبيرًا من الوعي الوطني الفلسطيني، وحملت القضية إلى العالم، وارتبط اسمها بفكرة الكفاح الوطني، يصبح الحديث عنها ضرورة لا ترفًا. ولأنها ما زالت الحركة الأكثر تأثيرًا وحضورًا في الوجدان الفلسطيني. ولأن الحركات الكبيرة لا يُقاس حجمها فقط بأزماتها، بل أيضًا بقدرتها على النهوض منها. ومن يحب فتح حقًا، لا يصمت على تراجعها، بل يحاول أن يوقظ فيها ما جعلها يومًا فكرة أكبر من مجرد تنظيم.

لو كنت عضوًا في مؤتمر حركة فتح القادم، لما ذهبت باعتبار حضوري استحقاقًا شخصيًا، أو موقعًا تنظيميًا، أو فرصة لالتقاط صورة في لحظة سياسية عابرة، ولما دخلت القاعة بوصفها مساحة للوجاهة أو الحضور البروتوكولي أو الاصطفاف خلف قائمة معدّة سلفًا. كنت سأدخلها كما يدخل الإنسان إلى امتحان ثقيل: محمّلًا بأسئلة شعب، ووجع غزة، وذاكرة حركة لم تكن يومًا مجرد تنظيم، بل فكرة كبرى في الوعي الوطني الفلسطيني. و لذهبت وأنا أحمل سؤالًا مركزياً واحداً: هل ما زالت فتح قادرة على إنقاذ نفسها… وبالتالي استعادة دورها الوطني؟

لأن الحقيقة التي لا يجوز الهروب منها أن الحركة لا تواجه أزمة تنظيمية عابرة، بل أزمة وجود ومعنى ووظيفة، وحالة انفصال متزايدة عن واقع شعبها، وعن نبض جماهيرها، وعن دورها التاريخي. لو كنت عضوًا في المؤتمر، لقلت إن فتح لا تحتاج إلى خطابات مديح، بل إلى لحظة صدق جارحة. لا تحتاج إلى من يصفق لها، بل إلى من يوقظها. ولا تحتاج إلى من يزين أزمتها، بل إلى من يسمي الأشياء بأسمائها. فالأزمة التي تعيشها الحركة ليست أزمة مقاعد، ولا أسماء، ولا توازنات داخلية فقط.إنها أزمة معنى. أزمة حركة ابتعدت عن صورتها الأولى، وعن جمهورها، وعن لغتها التاريخية، وعن غزة التي كانت دائمًا خزانًا للفعل الوطني لا هامشًا تنظيميًا. ولو كنت عضوًا في المؤتمر، لرفضت أن أكون رقمًا في ورقة انتخابية، أو صوتًا ينتهي مفعوله بانتهاء التصويت. فالمؤتمر ليس صندوقًا فقط، بل ضمير، وليس مناسبة لاختيار قيادة فحسب، كنت سأعتبر أن مسؤوليتي الأولى هي قول الحقيقة، حتى لو كانت ثقيلة. كنت سأقف وأسأل بوضوح: ما الذي قدمناه خلال السنوات الماضية؟ وأين أخطأنا؟ ولماذا تراجعت علاقتنا بالشارع؟

كنت سأقول إن أخطر ما أصاب الحركة هو أنها بدأت تعتاد على أزمتها.تتعايش مع التراجع، وتفسر الانفصال عن الشارع، وتبرر غياب الفعل، وتحوّل النقد إلى إزعاج، والكفاءة إلى تهديد، والاختلاف إلى خروج عن الصف. وهذه ليست حركة تحرر حين تخاف من السؤال. وليست حركة شعبية حين تفقد القدرة على سماع شعبها. وليست حركة وطنية حين تصبح علاقاتها الداخلية أهم من حضورها في الميدان.

لو كنت عضوًا في المؤتمر، لسألت قبل أي انتخاب: ماذا قدمت المؤسسات القائمة؟ ما أثر اللجنة المركزية؟ ما دور المجلس الثوري؟ أين البرنامج؟أين المراجعة؟ أين غزة في القرار لا في الخطاب؟ أين الشباب؟ أين الكفاءات؟ أين الذين لا يطلبون موقعًا بل يحملون مشروعًا؟

كنت سأطالب بأن يبدأ المؤتمر لا بالتصفيق، بل بالمحاسبة. لا بتجديد الشرعيات الشكلية، بل بتجديد المعنى.لا بإعادة توزيع الأسماء، بل بإعادة تعريف وظيفة الحركة. فالحركات لا تموت فقط حين تُهزم، بل تموت حين تكفّ عن تجديد ذاتها. وتموت حين تتحول من مشروع إلى إدارة، ومن قضية إلى مؤسسة، ومن روح إلى هيكل. ولو كنت عضوًا في المؤتمر، لقلت إن غزة هي الاختبار الأكبر. ليست تفصيلًا جغرافيًا، ولا حصة تنظيمية، ولا مقعدًا في قاعة. غزة هي سؤال فتح الأخلاقي والسياسي.من لا يرى غزة في مركز الحركة، لا يرى الوطن كاملًا. ومن يقبل أن تكون غزة ورقة انتخابية، لا يملك حق الحديث باسمها.

غزة لا تحتاج من يمثلها بالصوت فقط، بل من ينتصر لها بالفعل. لا تحتاج من يحمل اسمها في القاعة، بل من يحمل وجعها في القرار. لا تحتاج شهودًا إضافيين على تهميشها، بل أصحاب موقف يفرضون عودتها إلى مركز المعادلة. ولو كنت عضوًا في المؤتمر، لقلت إن التمثيل الحقيقي لغزة لا يكون بعدد الأسماء، بل بنوعية الدور. ليس المهم كم شخصًا من غزة في المؤتمر، بل من منهم يستطيع أن يقول: لا. من منهم يستطيع أن يرفض تحويل غزة إلى هامش. من منهم يملك الشجاعة ليقول إن عشرين عامًا من الإقصاء لا تُعالج بمقعد، ولا بصورة، ولا وعد مؤجل.كنت سأقترح، بوضوح، أن يخرج المؤتمر بقرارات لا بعبارات:

أولًا، مراجعة سياسية وتنظيمية شاملة، معلنة وشجاعة، تعترف بما حدث دون تجميل.

ثانيًا، إعادة بناء العلاقة مع الجماهير على أساس الحضور اليومي لا الموسمي، والخدمة لا الخطاب، والمساءلة لا الوصاية.

ثالثًا، إعادة الاعتبار للكفاءة بوصفها معيارًا للصعود، لا الولاء، ولا القرب، ولا الجغرافيا، ولا شبكات الزبائنية.

رابعًا، تشكيل مسار خاص لغزة داخل الحركة، لا بوصفها حالة طارئة، بل باعتبارها مركزًا وطنيًا يجب أن يُعاد دمجه في القرار والتنظيم والفعل.

خامسًا، فتح المجال أمام جيل جديد وشخصيات قادرة على التفكير والفعل، لا لتزيين المشهد، بل لتغييره.

سادسًا، إعلان التزام واضح بأن المؤتمر ليس نهاية النقاش، بل بداية مساءلة دورية لكل من يتقدم لقيادة الحركة.

ولو كنت عضوًا في المؤتمر، لرفضت أن أُستخدم في مشهد لا يغير شيئًا.فالحضور بلا موقف مشاركة في العجز. والصوت بلا رؤية مجرد رقم.والعضوية بلا شجاعة ليست شرفًا، بل عبء. كنت سأقول لمن يذهب إلى المؤتمر: لا تدخلوا القاعة كأسماء. ادخلوها كمسؤولية. لا تبحثوا عمّا ستحصلون عليه من فتح، بل عمّا ستنقذونه فيها. ولا تسألوا: أين موقعي؟بل اسألوا: أين موقع الحركة من شعبها؟

فتح لا ينقصها المصفقون، بل أصحاب الشجاعة تحتاج إلى من يحبها بما يكفي ليواجهها. إلى من ينتمي لها بما يكفي ليقول لها الحقيقة. إلى من يدرك أن الوفاء للحركة لا يعني الصمت على تراجعها، بل رفض سقوطها البطيء. لو كنت عضوًا في المؤتمر، لربما خسرت تصويتًا أو علاقة أو موقعًا، لكنني سأربح شيئًا أهم: أنني لم أكن شاهد زور في لحظة كانت تحتاج إلى شهادة حق.

فالمؤتمر، إن لم يكن لحظة إنقاذ، سيكون وثيقة إضافية في سجل التراجع. وإن لم يعِد غزة إلى مركز القرار، فلن يكون قد فهم معنى الوطن. وإن لم يفتح الباب للكفاءة والشجاعة والصدق، فسيعيد إنتاج الأزمة بأسماء جديدة ونتائج قديمة. لو كنت عضوًا في المؤتمر، لقلت جملة واحدة للشباب قبل كل شيء: لا تكونوا مجرد وجوه شابة لسياسات قديمة، بل كونوا العقل الذي يجدد اللغة، واليد التي تعيد بناء الجسور مع الشارع. ولا تدخلوا المؤتمر وفي جيوبكم أسماء معدة سلفاً، بل ادخلوه وفي عقولكم أسئلة كبرى. إن وفاءكم للحركة يبدأ من رفضكم أن تكونوا أرقاماً في حسابات المتنافسين. تذكروا أن 'فتح' التي انطلقت بشباب في العشرينيات، لن تعود إلا إذا استعادت روح المبادرة ورفضت الوصاية. لو كنت عضوًا في المؤتمر، لما ذهبت لأُحسب ضمن العدد… بل لأمنع فتح من أن تتحول إلى رقم في ذاكرة شعبها.

ولقلت ختاماً، لن أكون صوتًا في ورقة… بل موقفًا في لحظة اختبار. لأن فتح التي نعرفها لم تولد لتدير موتها السريري، بل لتستعيد قدرتها على الحياة. ففتح التي عرفناها لم تكن حركة تصفيق… بل حركة سؤال وقرار وتضحية.

 

أحدث الأخبار