أنجمينا/سما- استطاع الروائي التشادي روزي جدي، رغم حداثة تجربته كواحد من كتاب التسعينات الأفارقة الذين يختارون العربية لسرد قصصهم، أن يشق طريقاً متفرداً في المشهد الأدبي. رواياته التي تستحضر فصولاً غائبة من تاريخ أفريقيا ترسم العلاقة بين القارة السوداء والغرب، وتستكشف الروابط مع المحيط العربي في آن واحد.
بعد أن أطلق تجربته برواية «زمن الملل» التي نالت جائزة «غسان كنفاني للتميز الأدبي»، توالت إصداراته لتشمل «ارتدادات الذاكرة» و«التاريخ السري المعلن لآدم وحواء»، قبل أن يصدر مؤخراً «ثلاثية أنجمينا»، الذي يمثل استكمالاً لمسار إبداعي متميز. في حوار معه تناول رؤيته الأدبية والأسئلة المتعلقة بالهوية والمنفى والكتابة من منطقة حدودية بين عالمين.
حول بطل روايته الأحدث «ثلاثية أنجمينا» وتأرجحه بين الابتعاد والعودة للوطن، شرح جدي أن الحنين الظاهر يخفي حقيقة أعمق. «قرر العودة بعد أن شعر بأنه ليس فرنسياً كما اعتقد طوال حياته»، موضحاً أن صعود الخطاب اليميني المتطرف ضد المهاجرين جعل صاحب الجذور التشادية يشعر بأنه غير منتمٍ. إضافة إلى سقوطه في الاكتئاب بعد فقدان حبيبته التي انضمت لليمين. لكن هذه العودة، كما يرى الكاتب، «حتمية مثل عودتنا إلى البيت دائماً حتى حين يكون البيت برميلاً من المشاكل».
أما عن رسمه لعاصمة بلاده أنجمينا كمدينة منذورة للحرب والتوتر والخيبة، فيؤكد جدي أنه لم يكن قاسياً بل «واقعياً». قال: «هي أرض منذورة للحرب حقاً، وعشنا فيها حروباً أهلية بلا توقف، وخسرنا أحباباً وأصدقاء؛ أعتقد أن الشرط الأول للكتابة هو قول الحقيقة». يرى أن الصورة التي رسمها قد تبدو قاسية، لكنها حقيقية تماماً.
عن احتمالية قراءة رواياته في سياق تحليل العلاقة بين الشرق والغرب من منظور أفريقي خاص، يوضح جدي أن ذلك ممكن فعلاً. عندما قرر كتابة «ثلاثية أنجمينا»، كان يسعى لتأريخ مدينته «بوصفها مكاناً شهد أحداثاً جسيمة أثرت على الملايين وشكلت الحياة السياسية في البلد بأكمله». يضيف أن الرواية تعكس الحياة والمشاكل والقضايا في دول الساحل وبعض الدول العربية، لكنه «لم يفكر في الغرب أبداً في أثناء الكتابة».
عند السؤال عن الهاجس الأساسي الذي يحرك إبداعه، ينسب جدي ذلك في البداية لفكرة الموت كقلق وجودي عميق: «تخيفني فكرة الموت والذهاب بكل هذه الحكايات، ولذا أكتب كي لا أموت بكل هذه القضايا». لكنه يرى أن أعماله تكشف هاجساً أعمق وهو الإنسان التشادي الذي يخترق التاريخ الثقيل بالحروب والانقلابات والتحولات السياسية، «ويحاول رغم ذلك أن يحافظ على ذاكرته وكرامته وقدرته على الحلم».
ما يشغل اهتمامه هو مدينة أنجمينا والابتعاد عنها، والمنفى والهوية، وتأثير قرارات السلطة على حياة الناس العاديين. يؤكد: «أحاول في رواياتي أن أكتب تشاد من الداخل، لا بوصفها هامشاً بعيداً، بل بوصفها فضاء إنسانياً كاملاً، مليئاً بالتناقضات والأسئلة».
حول اختياره الكتابة بالعربية عن موضوعات أفريقية، يؤكد جدي أن هذا لا يشكل مشكلة بالنسبة إليه رغم أن البعض يجد صعوبة في تصنيف تجربته. «العبرة بلغة الكتابة وليس بعِرق الكاتب»، يقول، موضحاً أن ما يكتبه «يثري الأدب العربي ويعبر عن تنوعه». تشير تاريخياً إلى أن معظم الكتاب الأفارقة كتبوا بلغات متعددة: الفرنسية والسواحلية والإنجليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية.
يرى أن تشاد، بحكم حدودها مع دولتين عربيتين (ليبيا والسودان) وبوجود مكون عربي كبير فيها، تستحق أن تُعتبر عربية. يشير إلى أن العربية معترف بها كلغة وطنية في دستور البلاد منذ الاستقلال.
على صعيد الهوية، ينفي جدي أن يعاني منها شخصياً، لكنه يعالجها بعمق في أعماله. مثال على ذلك أحد أبطال روايته الأولى «زمن الملل» الذي يقول: «أنا أفريقي في عيني العربي، وعربي في عيني الأفريقي». هذه الحالة تعكس واقع سكان دول الشريط الساحلي، حسب تعبيره. مع الوقت، توقف عن رؤية هذا التعدد كأزمة، بل بدأ يراه «جزءاً من تكويني».
يوضح: «هذا التعدد، وما فيه من تناقضات وأسئلة، هو نفسه الذي منحني كثيراً من موضوعاتي وشخصياتي». لا يبحث عن هوية واحدة مغلقة، بقدر ما يحاول فهم كيف يمكن للإنسان أن يحمل داخله «أكثر من انتماء، وأكثر من ذاكرة، وأكثر من صوت».
بخصوص روايته «زمن الملل» التي فازت بجائزة «غسان كنفاني»، ينفي جدي أنها رصد لحالة عامة في المجتمع التشادي. يرى أنها تصور «مرحلة محددة ولجيل بعينه»، خاصة سنوات ما بعد التخرج من الجامعة. من الطبيعي أن يعتمد الروائي في أعماله الأولى على تجربته الشخصية. لكن التجربة لم تكن فردية بالكامل؛ كانت تعكس حال جيل كامل من مواليد التسعينات، حيث عاشت البلاد أزمة اقتصادية قاسية دفعت مئات الآلاف من الشباب للبطالة. «في تلك السنوات انسدت الآفاق، وغادرت شركات كثيرة، وازداد الفقر، وانهارت الطبقة الوسطى»، يقول، «تخيلي جيلاً كاملاً عاش جزءاً كبيراً من عشريناته وهو يشعر بالعجز».
فيما يتعلق برواية «ارتدادات الذاكرة» التي فازت أيضاً بجائزة التميز الأدبي من وزارة الثقافة التشادية، يشرح جدي أنه عاد فيها إلى أحداث تاريخية مهمة شهدتها بلاده تأثيراً عميقاً في شعبها. كان يشعر أن ما حدث كبير جداً ليُترك للنسيان. لم يرد أن يكتب عن الاستعمار الفرنسي كقوة خارجية فقط، بل أراد أن ينظر إلى «الشقوق الداخلية، والأخطاء والسقطات التي تمهد للسقوط». يؤمن أن «التاريخ لا يصنعه طرف واحد»، ولا يمكن فهمه إذا اكتفينا بتوزيع أدوار بين ضحية وجلاد.
حول تأثير دراسته القانون وعمله في السلك القضائي على كتابته الإبداعية، يصف نفسه بأنه «قانوني هرب من الصرامة إلى رحابة الأدب». استفاد من تكوينه القانوني في خلق الشخصيات، لأن «القانون يعلّمنا أن نشك، وأن نحلل ونقارن ونبحث عن التفاصيل، وأن الحقيقة لها أوجه عديدة». كما قرّبه العمل القضائي من الناس في لحظات حساسة جداً، حيث تتجلى الخصومة والخوف والندم والشعور بالظلم والطمع والانكسار. هذه التجارب الإنسانية تركت «أثراً عميقاً» في كتابته حتى عندما لا ينقلها مباشرة إلى أعماله الروائية.
أخيراً، حول التوازن الصعب بين الاعتقاد بأنه لا يملك «ترف اللعب بالكلمات» كروائي من تشاد، وبين رفضه تحويل الأدب إلى بيان سياسي، يوضح جدي أن بلاده غنية بالموضوعات والقضايا التي تستحق الكتابة. «بلادنا حديثة، وُلدتْ قبل ستين سنة فقط لكنها غنية من ناحية الثقافة والأحداث والتاريخ السياسي العنيف والقضايا الشائكة».
في الوقت ذاته، يرفض فرض هذا الالتزام على الآخرين أو حتى على نفسه دائماً؛ فقد كتب قصصاً «من أجل متعة الكتابة فقط». لكنه يؤمن بحزم أنه «لا ينبغي تحويل الأدب إلى كيس مليء بالأفكار الأيديولوجية أو السعي لتصفية الحسابات السياسية»، وأنه ضد استخدام الأدب في صالح السلطة بأي شكل من أشكالها.
