رغم العتب، تذكروا… لماذا تبقى فتح ضرورة وطنية؟ جمال خالد الفاضي

رغم العتب، تذكروا… لماذا تبقى فتح ضرورة وطنية؟ جمال خالد الفاضي

ليس من السهل، بعد كل ما عاشه الفلسطينيون خلال السنوات الأخيرة، أن نكتب دفاعًا عن أي فصيل سياسي. فالخيبات كثيرة، والغضب مشروع، والمسافة بين الناس وقياداتهم اتسعت، وما أصاب غزة خصوصًا تجاوز حدود السياسة إلى مأساة وجودية مست حياة الناس وأرضهم ومستقبلهم.

ولست هنا بصدد الدفاع عن فتح كما هي، ولا عن قيادتها كما أدارت المرحلة، ولا عن صمت أثار فينا الكثير من الأسئلة والغضب. وقد كتبت قبل أيام متسائلًا: حين يستعد الجميع للانتخابات… أين فتح؟ وما زلت أعتقد أن السؤال مشروع، وأن الحركة تحتاج إلى مراجعة عميقة لخطابها وقيادتها وأدواتها وعلاقتها بالمجتمع. لكن النقد شيء، وقراءة موقع فتح في المعادلة الوطنية شيء آخر.

فبعد كل ما جرى، وبعد أن تكشفت أمامنا خرائط المصالح والتحالفات والارتباطات، يصبح من المشروع أن نطرح سؤالًا ربما تجنبناه طويلًا: من بقي قادرًا على حماية الحد الأدنى من استقلال القرار الوطني الفلسطيني؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالعاطفة وحدها.

لقد كشفت التجربة الفلسطينية الطويلة مشكلة شديدة الخطورة في بنية العمل الفصائلي، تمثلت في ارتباط قوى فلسطينية متعددة بمحاور ودول إقليمية، بدرجات وأشكال مختلفة. ومع الوقت لم تعد بعض هذه العلاقات مجرد دعم سياسي أو مالي، بل أصبحت جزءًا من حسابات أوسع تتجاوز فلسطين نفسها. وحين يصبح الفصيل جزءًا من محور إقليمي، يصبح القرار الفلسطيني معرضًا لأن يدخل في حسابات ذلك المحور، وأن يتحول الفلسطيني، من حيث يريد أو لا يريد، إلى ورقة في صراعات أكبر منه. وقد دفع شعبنا في تاريخه ثمن ذلك أكثر من مرة.

ما حدث في الشرق الأوسط وما زال، وما نشهده من تحولات متسارعة حتى اللحظة، لم يكن تحولًا عاديًا. كان زلزالًا سياسيًا وأمنيًا أعاد تشكيل التحالفات، وأسقط الكثير من المسلمات، وكشف هشاشة الكثير من الشعارات. وفي قلب هذا الزلزال وجدت القضية الفلسطينية نفسها مرة أخرى محاطة بمشاريع إقليمية ودولية، لكل منها حساباته ومصالحه وأولوياته. وفي مثل هذه اللحظات يكون الاندفاع سهلًا، أما حماية ما تبقى من المشروع الوطني فتكون أكثر صعوبة.

 

ومن هنا ربما ينبغي إعادة قراءة بعض مواقف فتح بعيدًا قليلًا عن الانفعال الذي فرضته المأساة. نعم، شعر كثيرون منا بالخذلان.شعرنا أن صوت الحركة لم يكن بحجم الكارثة، وأن حضورها السياسي والجماهيري لم يكن بمستوى تاريخها ولا بمستوى المسؤولية الملقاة عليها. وشعرنا، وربما ما زلنا نشعر، أن القيادة الفلسطينية بدت في لحظات كثيرة بعيدة عن شعب كان يواجه واحدة من أقسى مراحله التاريخية. وهذه ليست ملاحظات صغيرة يمكن تجاوزها أو تبريرها تحت عنوان الحكمة السياسية.

لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما تمنينا أن يحدث، وإنما أيضًا بما كان يمكن أن يحدث لو اتُّخذت خيارات أخرى. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل كان المطلوب من فتح والسلطة الفلسطينية أن تنخرطا في الزلزال الإقليمي؟ وأن تدخلا ما تبقى من المؤسسات الفلسطينية في مواجهة مفتوحة لا تملكان أدواتها ولا القدرة على التحكم بنتائجها؟ وهل كان المطلوب إضافة الضفة وما تبقى من الكيانية الفلسطينية إلى ساحات الانفجار المفتوحة في المنطقة؟ أم أن مسؤولية القيادة، في لحظة كهذه، كانت أن تحاول إبقاء السفينة الفلسطينية طافية، حتى وإن بدا ذلك أحيانًا أقل بطولة وأكثر إيلامًا؟

في السياسة، ليست كل الحكمة صاخبة. وأحيانًا يكون القرار الأكثر عقلانية هو القرار الأقل قدرة على إثارة الحماسة. وهذا لا يعني أن كل ما فعلته فتح كان صحيحًا، ولا أن قيادتها أحسنت إدارة المرحلة، ولا أن الصمت كان دائمًا حكمة. فثمة فرق كبير بين عدم الانجرار إلى مواجهة غير محسوبة وبين الغياب السياسي؛ وبين الحفاظ على المؤسسات والاكتفاء بإدارتها؛ وبين العقلانية السياسية والجمود.وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول الدفاع عن الخيار الوطني إلى تبرير للأخطاء. ولكن في المقابل، لا يجوز أن يقودنا الغضب من فتح إلى تجاهل حقيقة أساسية: أنها ما زالت، رغم أزماتها وأخطائها، القوة الفلسطينية الوحيدة التي تشبه شعبها، والأوسع قدرة على حمل فكرة القرار الوطني الذي تبقى فلسطين مرجعيته الأولى، لا أن يتحول إلى امتداد لمحور إقليمي. وهذه المسألة، في تقديري، أصبحت أكثر أهمية بعد كل ما جرى. ففلسطين لا تحتاج إلى فصيل يبحث لها عن مكان داخل محور إقليمي، ولا تحتاج إلى أن يصبح مستقبل غزة أو الضفة جزءًا من تفاهمات هذه الدولة أو صراعات تلك. ولا نحتاج، بعد كل هذه الدماء، إلى اكتشاف جديد بأن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن الشعارات الكبرى تنتهي عند حدود حسابات القوة والنفوذ والأمن. نحتاج إلى قرار فلسطيني تكون فلسطين مركزه، لا هامشه. وهنا تكمن قيمة فتح التاريخية والسياسية التي ينبغي ألا تضيع وسط نقدنا المشروع لأدائها.

ففتح، في أصل فكرتها، لم تكن مجرد تنظيم سياسي. كانت محاولة لاستعادة القرار الفلسطيني من الوصايات العربية والإقليمية، وللقول إن الفلسطيني هو صاحب قضيته، وإن علاقاته العربية والدولية يجب أن تخدم مشروعه الوطني، لا أن يتحول مشروعه الوطني إلى أداة في مشاريع الآخرين. وربما تكون المفارقة أن هذه الفكرة التي نشأت عليها فتح قبل عقود أصبحت اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالشرق الأوسط الذي يتشكل أمامنا لا يرحم القوى الصغيرة التي تفقد استقلال قرارها. والفلسطينيون، بعد كل ما دفعوه من أثمان، لا يحتملون أن يكونوا مرة أخرى وقودًا في صراعات الآخرين. ولهذا، عندما أقول إن فتح ما زالت صمام أمان للوطنية الفلسطينية، فإنني لا أقدم شهادة براءة لقيادتها، ولا أطالب الناس بتجاهل أخطائها، ولا أقول إن تاريخها يمنحها حقًا أبديًا في الحكم.

بل أقول شيئًا مختلفًا: إن الفكرة التي تمثلها فتح ما زالت ضرورة، لكن الحركة نفسها تحتاج إلى أن تستعيد هذه الفكرة. وربما لهذا، كلما اشتد التيه الفلسطيني وضاقت الخيارات، نكتشف من جديد أن علاقتنا بفتح أكثر تعقيدًا من علاقتنا بفصيل سياسي. نغضب منها، ونختلف معها، ونحمّل قيادتها مسؤولية أخطاء وخيبات كثيرة، ونرفض أن يتحول تاريخها إلى حصانة لأحد؛ لكننا، في لحظات الضباب الكبرى، نعود فنبحث داخلها عن شيء يتجاوز الأشخاص والمناصب والسلطة: نبحث عن البيت الوطني الفلسطيني الذي لا يحتاج الفلسطيني داخله إلى أن يكون تابعًا لمحور، ولا ملحقًا بعاصمة، ولا ورقة في حسابات الآخرين.

ولعل هذا ما يجعل فتح مختلفة، في الوعي الفلسطيني، عن مجرد فصيل آخر. فهي، في أصل الحكاية، مساحة تشكلت فيها فكرة أن تكون فلسطين هي المرجعية، وأن يكون القرار فلسطينيًا، وأن نختلف ونتحالف ونتعامل مع العربي والإقليمي والدولي من موقع صاحب القضية، لا من موقع التابع له. ولهذا، فإن ما نبحث عنه حين نعود إلى فتح ليس بالضرورة بمواقفها الحالية، ولا أخطاءها، ولا بنيتها التي تحتاج إلى كثير من المراجعة. إنما نعود إلى الفكرة التي وُلدت من أجلها. نعود إليها لا صاغرين، بل مثقلين بالخيبة ومتمسكين بالكبرياء الفلسطيني. نعود لنطالبها بأن تكون بيتًا يليق بأبنائه، لا بيتًا تحتكره مجموعة منهم. بيتًا يتسع للناقد قبل المصفق، وللشاب قبل صاحب المنصب، وللكفاءة قبل صاحب العلاقة، ولمن دفع ثمن فلسطين قبل من استفاد من اسمها.

فليس معنى أن فتح بيتنا الوطني أن نصمت عن عيوب البيت. بل ربما العكس تمامًا: لأن البيت بيتنا، نرفض أن يُغلق في وجوهنا، أو أن يحتكره أحد، أو أن يتحول من فضاء للوطنية الفلسطينية إلى مؤسسة للدفاع عن الأشخاص والمواقع.

نحن لا نريد فتح لأنها بلا أخطاء؛ نريدها لأنها، الوحيدة التيتستطيع أن تكون البيت الذي لا يحتاج الفلسطيني فيه إلى بيت سياسي خارج فلسطين. ومن هنا، فإننا نحتاج الحركة التي هي بالاساس حركة مجتمع لا حركة سلطة فقط. وأن تفتح أبوابها لجيل جديد من الشباب والكفاءات، وأن تستعيد علاقتها بالناس، وأن تجعل النقد داخلها مصدر قوة لا سببًا للإقصاء، وأن تفصل بين حماية المشروع الوطني وحماية المواقع والأشخاص. فليس كل دفاع عن فتح دفاعًا عن قيادتها، كما أن نقد القيادة ليس بالضرورة خصومة مع فتح. وربما يكون العكس هو الصحيح. فمن يريد لهذه الحركة أن تبقى صمام أمان للمشروع الوطني يجب أن يكون أول المطالبين بتغييرها وتجديدها واستعادة دورها.

وهنا نعود إلى سؤال الانتخابات. فالمطلوب ليس أن تدخل فتح الانتخابات المقبلة اعتمادًا على خوف الناس من البدائل، ولا أن تقول للفلسطينيين: انتخبونا لأن الآخرين أسوأ.

هذه ليست وصفة لاستعادة الثقة. المطلوب أن تقول لهم: تعلمنا مما حدث، وفهمنا ما تغير، ولدينا مشروع جديد لحماية القرار الوطني، وإعادة بناء النظام السياسي، واستعادة وحدة غزة والضفة. ففتح التي يحتاجها الفلسطينيون في المرحلة المقبلة ليست فتح التي تكتفي بإدارة ما تبقى، بل فتح التي تستطيع حماية ما تبقى ثم البناء عليه. وبعد كل ما جرى، ربما أصبحت المعادلة أكثر وضوحًا.

نحن بحاجة إلى عقلانية سياسية تمنع الفلسطيني من الدخول في حروب الآخرين، لكننا بحاجة بالقدر نفسه إلى إرادة سياسية تمنعه من الاختفاء من قضيته. نحتاج إلى قرار وطني مستقل، لكننا نحتاج أيضًا إلى قيادة تستحق أن تحمل هذا القرار. نحتاج إلى حركة لا تنجر خلف المحاور، لكننا لا نريد حركة تختبئ خلف العقلانية كي تبرر الغياب.

ونحتاج إلى فتح، نعم. لكننا نحتاج قبل ذلك إلى أن تعود فتح إلى الفكرة التي جعلت منها يومًا حركة للتحرر الوطني: فلسطين أولًا، والقرار الفلسطيني أولًا، والشعب قبل السلطة، والوطن قبل الأشخاص. عندها فقط يمكن القول إن فتح ليست مجرد فصيل ينافس على الانتخابات، بل بيتًا وطنيًا وصمام أمان قادرًا على حماية ما تبقى، والمشاركة في بناء ما يجب أن يأتي. وربما بعد كل هذا التيه، وكل هذه الدماء والخيبات، نكتشف مرة أخرى حقيقة قديمة: أننا حين نبحث عن بيت فلسطيني لا يستمد هويته من عاصمة أخرى، ولا قراره من محور آخر، لا نزال نعود إلى فتح. لا لأنها كانت دائمًا على حق. ولا لأننا راضون عن قيادتها. ولا لأننا نسينا خيباتنا معها. بل لأن فلسطين، في النهاية، يجب أن تبقى بيت الفلسطينيين، لا ساحة لمشاريع الآخرين.

أحدث الأخبار