أظهرت دراسات متعددة في علم النفس والاجتماع أن الاختلافات بين الشباب والفتيات في نظرتهم إلى المستقبل المهني لا تعود بالأساس إلى فروق فطرية، بل هي نتاج عوامل اجتماعية وتربوية، حسبما أشارت أبحاث متخصصة عكفت على هذا الموضوع.
كشفت بيانات من تقرير مشترك بين منصتي "LeanIn" و"McKinsey" أن فجوة متنامية تفصل بين الرجال والنساء في الطموح الوظيفي؛ حيث رغبت 80% من النساء في الترقي إلى مستوى وظيفي أعلى مقابل 86% من الرجال، وتتسع هذه الفجوة بشكل أكبر لدى الموظفات في بدايات حياتهن المهنية.
غير أن نقطة البداية لهذا الاختلاف لا تكون في سوق العمل نفسها. أشارت أبحاث إلى أن تصورات الأطفال عن قدراتهم المهنية تتشكل مبكراً جداً حوالي سن السابعة. الفتيات يُقللن من وصف أنفسهن بأنهن "متفوقات"، وهو ما ينعكس لاحقاً على اختياراتهن المهنية، خاصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة.
تتباين أنواع الطموح بين الشباب والفتيات أيضاً. الرجال يركزون بشكل أكبر على النجاح المادي والمكانة الاجتماعية والترقيات الوظيفية—ما يُطلق عليه "الطموح الرأسي"—بينما تبنّي النساء نموذجاً أشمل للنجاح يجمع التوازن بين الحياة العملية والشخصية وتطوير الذات، وهو ما يُعرّف بـ"الطموح الأفقي".
بيّنت دراسة للباحثين جينيفر لوليس وريتشارد فوكس أن الشباب يتلقون تشجيعاً أكثر من أسرهم منذ الصغر للتفكير في مسارات مهنية طموحة، فيما تحصل الفتيات على دعم أسري أقل لمتابعة تطلعات مهنية أكبر، رغم تساويهن مع الشباب في الأنشطة العامة.
كشفت دراسة من معهد "J-PAL" بأحد كليات إدارة الأعمال الأمريكية أن الطالبات العازبات قد يخفّضن طموحهن المهني بلا وعي عندما يعتقدن أن إجاباتهن ستُشارك مع زملائهن الذكور، حيث طلبن رواتب أقل بمعدل 18 ألف دولار سنوياً، فسّره الباحثون برغبة بعضهن في تجنب صورة "الطموحة الزائدة" في سياق اجتماعي يفضل فيه بعض الرجال شريكات أقل طموحاً.
لكن الصورة تتغيّر. بحسب مركز بيو للأبحاث، فإن 66% من الشابات بين 18 و34 عاماً يضعن النجاح المهني على رأس أولويات حياتهن، مقابل 59% فقط من الشباب في الفئة العمرية نفسها، ما يعكس تحولاً في الاتجاهات السائدة منذ عقود.
جزء كبير من الفجوة الملحوظة في النتائج المهنية لا يعود إلى اختلاف في الرغبة بالنجاح، بل إلى عوائق هيكلية تواجهها النساء. النساء أكثر ميلاً للعمل بدوام جزئي أو أخذ إجازات متعلقة برعاية الأسرة، ما يؤثر في تقدمهن الوظيفي. حوالي 70% من النساء يشعرن بثقة أقل بعد فترة انقطاع عن العمل عند عودتهن.
غير أن دراسة تجريبية حديثة نُشرت عبر منصة "SSRN" شملت حوالي 1600 مشارك توصلت إلى نتيجة مختلفة؛ لم تكن هناك فروق ذات دلالة إحصائية بين الرجال والنساء في وضع الأهداف والسعي لتحقيقها، حتى بعد ضبط عوامل الثقة بالنفس والقدرة التنافسية. يرى الباحثون أن هذا يتحدى الفكرة الشائعة بأن الرجال أكثر طموحاً بطبيعتهم، وأن الفجوات المهنية قد تعود لعوامل خارجية أكثر من اختلاف جوهري في الطموح ذاته.
اقرأ أيضًا:
