كشفت صحيفة (نيويورك تايمز)، في تقرير نشرته اليوم، أنّ إيران استغلت فترة وقف إطلاق النار التي شهدها ربيع العام الماضي لوضع خطةٍ سريةٍ لحربٍ إقليميّةٍ واسعة النطاق، تقوم على مبدأ “التصعيد المحسوب” عبر شبكة حلفائها في المنطقة، بحيث ترتفع وتيرة الهجمات كلّما صعّدت واشنطن عملياتها العسكرية ضدّ طهران، في محاولةٍ لجعل أيّ مواجهةٍ طويلة الأمد باهظة الثمن سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بالنسبة لواشنطن.
وبحسب التقرير، استندت الصحيفة إلى مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى مطلعين على خطط الحرس الثوريّ الإيرانيّ، أكّدوا أنّ الخطة وُضعت خلال فترة الهدنة بعيدًا عن الأضواء، وشملت تنسيقًا مباشرًا بين فيلق القدس، الذراع الخارجيّة للحرس الثوريّ، وبين قادة الفصائل الحليفة لإيران في لبنان واليمن والعراق.
ووفقًا للمسؤولين، عقد كبار قادة فيلق القدس سلسلة اجتماعاتٍ عبر الاتصال المرئيّ مع قيادات حزب الله، وجماعة (أنصار الله) في اليمن، والميليشيات الشيعيّة العراقيّة، بهدف وضع تصور لردٍّ إقليميٍّ متدرجٍ يواكب أيّ تصعيدٍ أمريكيٍّ، كما عمل مستشارون من الحرس الثوري ميدانيًا إلى جانب هذه الفصائل، في إطار إعادة تنظيم محور إيران الإقليمي بعد الضربات التي تلقاها منذ اندلاع الحرب في غزة عام 2023.
وأشار التقرير إلى أنّ إيران سعت أيضًا إلى تعويض الخسائر التنظيميّة التي مُني بها حزب الله خلال مواجهاته مع إسرائيل، إذ أوفدت عددًا من قادة الحرس الثوريّ للعمل داخل مجلس قيادة الحزب، في خطوةٍ تهدف إلى سدّ الفراغ الذي خلّفته الحرب وتعزيز قدرته على إعادة بناء بنيته العسكريّة والتنظيميّة. كما عزز الحرس الثوري حضوره داخل قواعد تديرها الميليشيات الشيعيّة في العراق، بما يتيح تنسيقًا عملياتيًا أكثر فاعليةً بين أطراف المحور.
ورأت الصحيفة أنّ التطورات الأخيرة في المنطقة تعكس نجاحًا نسبيًا لهذه الإستراتيجيّة، بعدما امتدت دائرة المواجهات إلى أكثر من ساحةٍ، مع تصاعد هجمات (أنصار الله) في البحر الأحمر، واستمرار استهداف قواعد تضم قواتٍ أمريكيّةٍ في العراق وسوريّة، إضافةً إلى تنامي الضغوط الأمنيّة على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
ونقلت الصحيفة عن الخبير الإيرانيّ في شؤون الميليشيات، مهدي رحمتي، قوله إنّ طهران تتعامل مع حلفائها باعتبارهم أدواتٍ استراتيجيّةٍ ضمن “لعبة شطرنج كبرى”، موضحًا أن هذه القوى تُحرَّك في التوقيت والمكان اللذين يحققان أكبر قدرٍ من النفوذ السياسيّ والعسكريّ، مع الحرص على تجنب الانزلاق إلى مواجهةٍ مباشرةٍ بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل.
ورأى محللون، بحسب التقرير، أنّ الهجمات التي تنفذها الجماعات الحليفة لإيران صُممت بعنايةٍ لتحقيق أكبر قدرٍ من الضغط دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي ردًا أمريكيًا أوْ إسرائيليًا واسعًا ضدّ إيران. ولذلك تركز هذه العمليات على استهداف قواعد عسكرية، أو الملاحة البحريّة، أوْ منشآتٍ اقتصاديّةٍ، مع الحفاظ على هامش يسمح لطهران بإنكار مسؤوليتها المباشرة.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أنّ أحد الأهداف الأساسيّة للخطة الإيرانيّة يتمثل في التأثير على أسواق الطاقة العالميّة، من خلال تهديد صادرات النفط وحركة الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، بما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود عالميًا، وزيادة الضغوط الاقتصاديّة على الولايات المتحدة، ولا سيما في الفترات الانتخابيّة، إلى جانب تقليص العائدات النفطيّة لحلفاء واشنطن في المنطقة.
واستشهد التقرير بإعلان (أنصار الله)، في 20 تموز (يوليو) الفائت، فرض حصارٍ بحريٍّ على السفن السعوديّة، وما تبعه من هجماتٍ بالصواريخ والطائرات المسيّرة لتنفيذ هذا الحصار. كما لفت إلى فتح جبهةٍ جديدةٍ بعد استهداف ناقلات نفطٍ في مصر بواسطة طائرات مسيّرة مجهولة، الأمر الذي وسّع دائرة التهديد لتشمل طرق التجارة الممتدة عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، بينما نفت إيران أيّ علاقةٍ لها بتلك العمليات.
وفي تقييمها للإستراتيجيّة الإيرانيّة، أوضحت الصحيفة أنّ “محور المقاومة” تعرض خلال السنوات الأخيرة لانتكاساتٍ كبيرةٍ، ومع ذلك، فإنّ طهران استطاعت إعادة تنظيم جزءٍ مهمٍ من منظومتها الإقليميّة، مستفيدةً من استمرار ارتباط هذه الفصائل بهدفٍ مشتركٍ يتمثل في استنزاف الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي لبنان، يواجه حزب الله تحدياتٍ إضافيةٍ مرتبطةٍ بالاتفاق الأمنيّ الذي رعته واشنطن بين بيروت والكيان، والذي يتضمن هدفًا يتمثل في نزع سلاح الحزب، في وقتٍ يسعى فيه إلى إعادة بناء قدراته بعد الحرب.
أما في العراق، فأشارت الصحيفة إلى أنّها تتفق على قناعةٍ مفادها أنّ واشنطن وحلفاءها العرب يسعون إلى تجنب حربٍ إقليميّةٍ شاملةٍ، وهو ما يمنح إيران وحلفاءها مساحةً أوسع للمناورة وفرض وقائع جديدةٍ على الأرض.
وخلُص التقرير إلى أنّ الإستراتيجيّة الإيرانيّة الحالية لا تستهدف تحقيق انتصارٍ عسكريٍّ مباشرٍ بقدر ما تقوم على إدارة حرب استنزافٍ طويلةٍ، تُستخدم فيها الفصائل الحليفة كأدوات ضغطٍ متعددة الجبهات، بما يرفع كلفة أيّ مواجهةٍ أمريكيّةٍ، ويمنح طهران أوراقًا إضافيةً في أيّ مفاوضاتٍ أوْ ترتيباتٍ إقليميّةٍ مقبلةٍ.
